مدونة الروزي التجربية

بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا القالب من تعريب مدونة الروزي / وتقدمه مجاناً لجميع زوارها الكريم . حقوق التعريب محفوظة , ولا نرضى تغييرها بأي شكل من الأشكال أو حذفها

زجاجة حليب فارغة

بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا القالب من تعريب مدونة الروزي / وتقدمه مجاناً لجميع زوارها الكريم . حقوق التعريب محفوظة , ولا نرضى تغييرها بأي شكل من الأشكال أو حذفها .. نسألكم خالص الدعاء .

اعتقادات آخر النهار

بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا القالب من تعريب مدونةالروزيً لجميع زوارها الكريم . حقوق التعريب محفوظة , ولا نرضى تغييرها بأي شكل من الأشكال أو حذفها .. نسألكم خالص الدعاء .. .

بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا القالب من تعريب مدونة لروزي / وتقدمه مجاناً لجميع زوارها الكريم . حقوق التعريب محفوظة , ولا نرضى تغييرها بأي شكل من الأشكال أو حذفها .. نسألكم خالص الدعاء .. .

بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا القالب من تعريب مدونة الروزي/ وتقدمه مجاناً لجميع زوارها الكريم . حقوق التعريب محفوظة , ولا نرضى تغييرها بأي شكل من الأشكال أو حذفها .. نسألكم خالص الدعاء .. .

السبت، 26 نوفمبر 2016



 الناس اعتادوا فقط على مهاجمة كل ما لا يعجبهم أو كلما لا يشعرهم بالتكرار، أو كلما يساعد في فتح أعينهم أكثر من المعتاد. وحين يعجبهم شيء ما يلتزمون حياله الصمت، او حتى يبحثون في جوانبه او في كتابات سابقة، او في شخصية كاتبه الى أمر يمكن به أن ينتقصوا من هذا الشيء الذي أعجبهم. انهم مهووسون بكثرة في تقليص افراح وعظمة وسمو العالم. الناس لا يفضلون من يعلمهم التحديق.. التحديق الطويل والشاق. بل يفضلون عليه من يجعلهم عمياناً ويبالغ في عصب أعينهم. إنهم قوه الفراغ

السبت، 24 أغسطس 2013

- فائض

  1. يقول ” بيار هاسنير ” : علينا أن نميز بين الدول الشمولية والحركات الشمولية والانفعالات الشمولية.
  2. أن تعيش في دولة شمولية, في مجتمع شمولي, تتحرك بشمولية, وتنفعل بشمولية. لا أفهم: لأجل ماذا توجد الشمولية؟
  3. الشاعر الفرنسي, ماري جوزيف دوشينيه ( 1811 – 1764 ) , عندما أسره الفانديون أمروه بأن يهتف ” عاش الملك ” فهتف: عاشت الجمهورية , فقتلوه, وأصبح بطلاً من أبطال الشعب.
  4. تخيل معي ……….. . . . . . . تخيلت؟ إنها البداية فقط!
  5. يطرح ” ريجيس ديبراي ” سؤالاً مهماً : ” ما الشيء الذي يستطيع تحويل جمعاً من الأنانيات إلى ( نحن ) فريدة ؟
  6. أساساً: كيف يمكن لنا أن نكون جمعاً, وما الذي يسمح لشخصية معنوية مستقلة أن تندثر مع الأشخاص؟
  7. أذكر أنني كنت فرداً . .
  8. أساساً: ما الغاية من الفردانية؟ وعلى ماذا يقوم التركيب النفسي للفرد؟
  9. إلغاء الأخلاقيات القمعية . .
  10. قبول الرفض, رفض القبول . .
  11. أعتقد أن النزهة الممتدة بين المعنى والوجود . . . . . . .
  12. يقول ميريجكوفسكي: عند بوشكين تطمحُ الحياةُ إلى الشعر، والفعلُ إلى التأمل، وعند ليرمونتوف يطمحُ الشعرُ إلى الحياة، والتأمل إلى الفعل.
  13. هل يحق لنا أن نسأل عن الشكل إذا تمكنا من معرفة المضمون؟
  14. يرى فيورباخ أن الحب هو جوهر الحياة الإنسانية وهدفها.
  15. هل يحق لنا أن نطالب جميع البشر بالتحضر الشامل؟ هل نحن الفئة التي لا تزال خارج إطار التحضر؟ هل الأذى الواقع علينا هو السبب؟
  16.  يرى ” لوك فوري ” , أستاذ الفلسفة في جامعة باريس, أن السؤال المطروح بحدة في نهايات القرن الـ 20 ومطلع القرن الـ 21 هو: هل بإمكاننا أن نظل مؤمنين بفكرة الرقي؟
  17.  أحط أفعال الإنسان بالنسبة لهيغل, أرقى من أعقد دورات الأجرام.
  18.  كان هيغل, في أيام شبابه, يقول أن من شأن الروح أن تكون أرقى من الطبيعة. لقد كان يعتقد أن الطبيعة ليست إلا الفكرة خارجة عن ذاتها لا الفكرة من أجل ذاتها, ويقول انها – يقصد الطبيعة – مجال سقوط الفكرة, بل إنها جثة الفكرة ومقبرة الروح. أن الكون الذي تحكمه الطبيعة إنما هو مملكة الموت ونعش الإله.
  19. يقصد, على سبيل المثال: فكرة الوردة بعيداً عن الوردة ذاتها.
  20. من هي الوردة لو لم تكن وردة؟ وهل من الممكن أن تسبق فكرة الشيء, الشيء نفسه؟ هل لديك فكرة عن هذه الفكرة؟
  21. ( لكن الزمن مفتوح , ليس كجرحٍ أبدي, بل كوردةٍ تتأرجحُ باشتهاءاتِ الخاسرين )
  22. الماركيز دو ساد, أحد أدباء فرنسا الملاقيف, دعا بكل بساطة إلى التخلص من الطبيعة وتحطيم ” هذه العجوز الشمطاء ” كما كان يسميها.
  23. لم أقابل إلى الآن شخص يكره الطبيعة. كما أنني لا أعرف شخص يحبها. أغلبهم يقولون:” صلالة؟ أوووه, طبيعتها فتاكة! ” وفي اليوم التالي تجدهم في مدينة دبي النذلة. يتسكعون بخمول, ويصرفون أموالهم بطريقة مصطنعة. لا أريد أن أقضي حياتي في تفسير مثل هذه الظواهر.
  24.  ” الشيء الوحيد الذي جاءت به الفلسفة هو فكرة بسيطة تقول أن العقل يحكم العالم, وبناء عليه, فإن التاريخ البشري عقلاني تماماً ” هذا ما قاله هيغل.
  25.  ميشيل فوكو: العقل الذي خلق الحريات هو الذي خلق السلاسل والأغلال أيضاً.
  26.  لماذا هذا التناقض؟
  27.  .. ويعتقد لوك فوري أن السؤال عن التناقض بين عقولنا ووحشيتنا سؤال مشروع نسبة للكوارث التي شهدها القرن العشرين ( الحرب العالمية 1 – 2 ) والتي هشمت واحدة بعد الأخرى كل نظريات التفاؤل بالتقدم والرقي التي قامت عليها فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. ويرى أيضاً, أن المهمة الأساسية للفلسفة السياسية الراهنة هي البحث في أسباب سقوط الأوهام والأحلام المتعلقة بالرقي والتقدم.
  28. غريزة الموت؟ تستحق الصفع.
  29.  الناس يبحثون في المتاجر عن سبب للحياة. ففي مثل هذه المجتمعات المقهورة, المتجر هو المكوث بعيداً عن الموت.
  30.   يقال أن همنغواي كان يكره شراء الملابس الجديد, ويرفض تماماً ارتداء ملابسه الداخلية.
  31.   راؤول فانيجيم يؤكد في كتابه ” تأملات حول حرية التعبير ” على عدم وجود أي استعمال قبيح أو مضر لحرية التعبير وإنما استعمال غير كاف فقط.
  32.   أيّها العذاب: هل أنت جاهز؟
  33.  في الأخير, من وقت إلى آخر, حاولوا أن تتحروا. لا تدعوا لهم الحياة هكذا.

الخميس، 22 أغسطس 2013

ماذا بعد؟

( 1 ) 
ماذا بعد؟ في يوم مشمس, لا مفر منه, نحو الساعة السادسة صباحاً, استيقظت من النوم مثل تحية عسكرية, على صوت بائع الحليب. كم هو مزعج على المستوى السمعي كما لو أنه قنبلة ذرية. إنه رجل متنوع وجيد في العموم. بائع الحليب الذي لا يطرق الباب .. بائع الحليب هذا لديه مشكلة حقيقية مع الخشب. لهذا, هو يأتي كل ثلاثة أيام ويصرخ من بعيد: ” استيقظ يا سيد باسل واحصل مني على قارورات الحليب الطازجة بسعر عادي جداً كي يمكنك خوض النقاشات الجادة بدون تشويش! ” .. نعم, باسل؟ هذا ليس اسمي, اسمي بعيد عن هذا الاسم. أنا رجل جاد وأعصابي لا تتحمل الكثير من تفاهات الناس وتدني أذواقهم. لا أدري لماذا اختار لي بائع الحليب هذا الاسم. لماذا باسل بالتحديد؟ لماذا ليس إيليا أو لورا أو كارمن أو ثامر أو جلال أو خلدون حتى؟ هل كانت المسألة بالنسبة له .. حسابية؟ سأتجاوز هذا اللبس. أنا أعمل في مخبز صغير لكنه مشهور اسمه ” مخبز التعايش ” .. صاحب المخبز اسمه بشير, وهو رجل متبلد يفتقر إلى الرحمة والصراحة وتبادل الأراء, ومعروف بين الناس بـ ” مكعب الإسمنت ”

لنعد إلى ما قاله بائع الحليب: لم تكن عبارته طريفة لكنها نجحت في أن تجعلني أبتسم على الأقل. أتصور أن مركز الإضحاك في تلك العبارة يكمن في قائلها وليس فيها على الرغم من طرافتها. في بعض الأحيان, نسمع الكثير من الأشياء الطريفة لكننا لا نضحك, ليس لأنها ليست مضحكة, بل لأننا ببساطة وجدناها غير جديرة بنيل ثقتنا. من أين تستمد الأشياء الطريفة أحقيتها في الفوز بثقتنا؟ ينبغي على أحدنا أن يجيب على هذا السؤال. المسألة ليست حياة أو موت. ما أستطيع قوله هو: لا يجب علينا أن نضحك دون رغبة منا في الضحك. لا يجب علينا أن نضحك إلا بعد أن نتأكد أن الأمر مضحك فعلاً. علينا أن نقرر .. هل ما قالوه مضحك أم سخيف؟ ثم بعد ذلك نتخذ الإجراءات اللازمة. إذن العملية عملية تقييم في الأول والأخير. لكننا دائماً ما نتورط في تقييم الأشياء, المعنوية أو المادية, والتحكم في انفعالاتنا, لعدم إلمامنا بحقيقة العلاقات القائمة بين ما يسعدنا وما يشقينا. من الصعب على الإنسان أن يفلت من سطوة الأشياء التي من هذا القبيل. أحزاننا وسخافتنا لم تعد تخدع أحداً. أعترف بذلك.

ماذا بعد؟ ودعت سريري الواسع. آه كم هو واسع سريري بالفعل. يخيل لي أنه أوسع من دولة الفاتيكان على الرغم من أنني أعرف أنه ليس أوسع من أي سرير واسع يشبهه. هل من المهم أن يكون سرير المرء واسع؟ طبعاً, على الأقل بالنسبة لحالتي, هناك عدة أسباب. هناك أسباب بديهية قديمة وأسباب خاصة بي. سأكتفي بسرد الأسباب الخاصة بي, وقد أعرج على الأسباب البديهية ( إنجاب أطفال في حالة صحية جيدة / القفز بطمأنينة / ادعاء المرض / البكاء / تجهيز خطة لإبادة البشرية / إلخ ) إذا شعرت بحاجتي إلى ذكرها. يبدو أنني ذكرتهم وانتهيت. لماذا أنا دائماً متسرع وعادة ما أخلط بين الأمور البديهية العامة والأمور البديهية الخاصة بي؟ يبدو أن لا شيء ثابت في هذا العالم. يبدو أن كل شيء قابل للتعديل, وبالأخص الثوابت. والآن .. جمعينا يعرف أن السرير عبارة عن شيء يمتاز بالجمود, وأن الهدف من السرير هو النوم عليه وليس بخارجه أو حوله. ولكن, وقبل أي شيء, لا بد أن يكون السرير واسع. من الضروري أن يكون السرير الذي أنام عليه واسع .. لا يهم أن يكون مريح أو ثابت أو بلا أصوات .. المهم أن أنتمي إليه وينتمي إليّ. قد يندهش القارئ لما أقوله. لهذا .. في الواقع, مسألة الانتماء للسرير مبالغ فيها, وأنا قلت ما قلته لإحداث توازن معنوي قد أستفيد منه في المستقبل, ولن يضر السرير في شيء بطبيعة الحال. أعتذر لهذا التشويش والدهشة. على العموم, لا أريد أن أشعر في لحظة معينة, وأنا نائم على السرير, أنني أنام على سرير واسع فقط. أريد أن أشعر أنني أنام على شيء خاص بي .. لا يوجه لي الكثير من الأسئلة .. أحميه .. لا يلموني على حظي التعيس .. شيء موجود لدي لأنه لي .. شيء يحبني لأنه يحبني .. شيء يثير اهتمامي ويتضامن معي بحيث أتمنى أن أكون ما هو عليه ولو ليوم واحد أو يكون برفقتي إلى الأبد. الأمر واضح: كلما كان سريري أوسع, كلما ازداد وعيي.

ماذا بعد؟ ذهبت إلى دورة المياه. مهما اختلفت الأزمنة واختلف البشر: يتوجب علينا أن نذهب إلى دورة المياه بعد أن ننهض من على السرير مباشرة. لقد لاحظت أن الناس بدأت تتخذ موقف عدائي من فرشاة الأسنان. إن هذا الأمر مفجع. فرشاة الأسنان ليست بعبعاً, بل نواياها صريحة وصحيحة. لا أعرف . . لماذا لم نأخذ معنا فرشاة الأسنان عندما دخلنا عالم ما بعد الحداثة؟ لا أعرف . . أين هي البطولة في الخروج من المنزل ورائحة فمك تخالف المعايير الإنسانية الموضوعة؟ لا أعرف . . أين أنصار الواقعية الاشتراكية والتحليل النفسي وأدب المقاومة عن هذه المهزلة؟ وهل الأراضي الفلسطينية أهم من أسناني؟ لا أريد ممارسة أي دور نقدي في هذا الموضوع, أو الاسترسال في الحديث, منطلقاً بغضبي لا بمنطقي. لكنني أريد تنبيه الناس إلى هذه النقطة. الناس الذين لا يضعون دورة المياه على قائمة أولياتهم بعد استيقاظهم من النوم, بالتحديد.

ماذا بعد؟ خطرت ببالي فكرة . .

الجمعة، 16 نوفمبر 2012

- الرجل المكور قليلاً.


  1. ولازلتُ أريد أن أحبكِ إلى الأبد, هكذا فقط, هكذا فقط. ليلٌ وريح دافئة, قمر يضحك بخجل ليخفي ضرسه الأمامي المكسور, موشح صوفي يدور في هواء الديار, شاعر يبيع مسوداته عن طريق النت, عشيقان يتبادلان اللقمة قبل الآذان, رذاذ الرطوبة على فوانيس الحارة, لوحة الإعلانات الدفشة التي تحجب الشروق, أبواق السيارات الفخمة المزعجة, القادة الكِرام, الولد الجربوع والبنت الحُلوة, الوعي بالغياب, النجمة التي تسللت في وضح النهار لخارج الفلك, الكاتب الفاشل والمغمور الذي سببتي له الكثير الكثير من الأذى وأراد بدوره بعدها أن يجرحكِ وأن يلحق الأذى بكِ كي يساوي الأشياء, لم يقدر, لم يستطع, لم يعرف, لم يكن يضاهي سفالتكِ وأنا وأنا وأنا لا زلتُ أريد أن أحبكِ, هكذا فقط, هكذا فقط.

    - 2 -

    أيتها الأيام الجميلة التي لم تأتي بعد: إلى متى؟ تعالي, تعالي ولو على دراجة هوائية. أيامنا الجميلة, ماذا فعلنا بكِ؟ من ضايقكِ؟ هل ركبتي مع الشخص الغريب؟ لماذا لم تسمعي الكلام؟ هل عدتي إلى المنزل ولم تجدي أحد؟ كيف حالكِ؟ هل أنتِ على مايرام؟ هل تستخفين بنا عمداً؟ هل تصومين مثلنا؟ هل ضاعفتي عدد جنود الحماية حول قصركِ؟ مالذي يشبهكِ؟ مالذي يؤخركِ؟ المواصلات؟ الملل؟ الكسل؟ البدانة؟ مالذي تريدنه منا كي تأتي؟ مالذي يسعدكِ؟ ماهو الجميل فيكِ؟ ماهو المميز؟ لماذا كل هذا الكذب؟ لماذا كل هذه الوحشية في التعامل معنا؟ لماذا كل هذا الثِقل؟ لماذا كل هذا التشرد؟ حسناً, حسناً, لن أجهدكِ أكثر فأنتِ في زيارة عاجلة, تحملين حقيبة صغيرة ولا تضعين شيء من المكياج أو العطر, أيتها الأيام الجميلة التي لم تأتي بعد: إلى متى؟

    - 3 -

    بإصبع أكتب لكِ: لازلتُ أريد أن أحبكِ إلى الأبد, بإصبع أدنو نحو الهاوية, بإصبع أهرول نحو الأيام الجميلة التي لم تأتي بعد, بإصبع أبتعد, بإصبع أعود, بإصبع أفطر, بإصبع أفتح حنفية الماء, بإصبع أقول ما أشاء, بإصبع أهين من أرغب, بإصبع أقف هُنا, بإصبع أوجه أنظار الحشد إلى هُناك, بإصبع أطل من النافذة, بإصبع أوسخ زجاج المحلات, بإصبع أرسم في الهواء ماهو في أعماقي, بإصبع أمسح على مفرق الشعر, بإصبع أفتح باب الكراج, بإصبع أسد أذني عند سماع الآذان, بإصبع, وعلى غرار كل الخلق, أجدف صوب اللا شيء كما لو أنني عدم.

    - 0 0 -

    - 4 -

    هاهُنا, إبنُ الحرام قد زنى, كان لا أحد. أعطاها ما تحتاج كي تعطيه هي ما يريد, كان يرتدي ربطة عنق, كانت ترتدي المتاه, بين القبلة والقبلة يحل به الحزن, بين اللحظات النحيلة التي تفصل بين خلع البنطال وفتح مشبك السنتيانة رغبة بالبكاء والصراخ: أيها الغيهب الشرير, من أنا! أنت إبن الحرام الذي هاهُنا قد زنى. رجل و إمرأة وإله, جسد يهتز وسرير ينتفض, جسد ينتفض وسرير يهتز, بعزم, اخترع الرعشة وأوغل في إكتشاف الكذب. 6 دقائق ثم مزق سائله ذلك الشيء الأخضر. ظل على الفراش, ظلت على الفراش وكل منهما في نهاية مختلفة. أدار ظهره, كان لا أحد, إلتقط هاتفه, لوّث الغرفة, عاد إلى الوراء, لازال لا أحد, لم يجدها. كانت وقتذاك قد أعادت له ما كانت تحتاجه وتركت له ما يريد وورقة مكتوب فيها بخط ركيك: ها هُنا اللا أحد قد زنى بذاتي حتى الألم. مزقها وشرد في اللا مزيد. استنفد كل الفرص فصار: إبن الحرام الأول الذي زنى بذاته في اللا أحد.

    - 5 -

    عطست, توقف قلبي عن العمل – حقيقة مؤكدة علمياً – لم يمر الوقت وكانت علبة المناديل بعيدة عني مثلما حقول السكر في كوبا. في أزمنة أخرى, قليل جداً من ينجو من هكذا حدث. أزمنة قليلة جداً, لم أكن أعرف فيها كيف أطبخ, أغسل أو أكنس, فقد كان جل وقتي يضيع في العطس وفي البحث عن علبة المناديل البعيدة عني مثلما حقول السكر الكوبية. البعد أرخص ثمناً من الحقائق العلمية وشعبيته أعلى بكثير. من أين أتت شعبية البعد؟ من معسكرات الفراق؟ من كيد القصائد؟ من جراح الموتى؟ من مشيئة الخيال؟ من قلق الشعراء؟ من مبالغات الناس الوصفية؟ فوكس نيوز؟ العطسة: إنقلاب عسكري على القلب والبعد إنتخابات بلا صناديق. فيما أنت تفكر بجواب ولم تعطس أثناء ذلك وعلبة المناديل ليست بعيدة عنك كما هي بعيدة عني: إذا عطست وتوقف قلبي عن العمل وكانت علبة المناديل بعيدة عني مثلما حقول السكر في كوبا سأرمي نفسي بالرصاص كي أجد بعدها الوقت الكافي لتعلم الطبخ والكنس والغسيل وكيفية القيام بإنقلاب عسكري على البعد. سأفتح جبهة شعبية, علناً سأفتحها ضد الفراق والمكائد والجراح والمشيئة والقلق. واضحٌ جداً أنني أعيش وهم يجب أن يعدم, لكن ليس الآن, ليس في يوم السبت. سأنتظر أول أيام العيد. لست جاهز بعد لا للكنس ولا للطبخ ولا لنشر الغسيل, أنا جاهز للعطس, التوقف عن العمل, والبحث عن علبة المناديل اللعينة تلك حتى لو كانت في حقول السكر التي بكوبا.

- أمام الشر والخير.


- 1 -

هاتفي يرن, يرن كشاحنة ترجع إلى الخلف. ترى ماذا يريدون مني؟ ألا يعرفون بأني شخص يحتاج إلى العزلة كي يشفى من جراحه التي تئن بصوت خافت كلما اختلطت بالبشر؟ لم أعد أطيق رؤية أحد لا يستطيع سماع ذلك الصوت الخافت الذي يئن بداخلي. عيب. أستطيع تخيل إجابة هذا السؤال لكنني أحتاج إلى الحقيقة. من هو, ذلك الشخص الغير منطقي الذي فكّر بي وقرر مهاتفتي وأنا على وشك إيجاد الحقيقة التي طالما كنت أنعزل عن العالم الخارجي بحثاً عنها؟ من هو ذلك الشخص؟ ولماذا لم أغلق هاتفي؟ الحقيقة:عزلة هاتفية. عرفت ذلك خلال وجودي مع نفسي بالإضافة إلى الهاتف.
إن هذا التطور المظلم لذلك التصور المنير الذي اضطرني إلى التحول لا شعورياً من حنق عادي ويومي على هاتفي إلى قوة لا تقهر من المشاعر اللا حسية المتقهقرة بإتجاهكم في آخر الأمر ليست سوى البداية. بداية أعمل جاهداً على التأكد من أنها ستؤدي إلى نهاية الجميع. إذا كنت غير معتقد بصحة ما أقوله وتشكك في صدق مشاعري فهذا عائد إلى كونك متحيز إلى فكرة الخير, بل ربما تتجاوز تلك الفكرة حد الخير وتصل بالسلامة إلى اقتناع. عندي قصور في استيعاب التالي. أقصد بالتالي: فكرة الخير والشر وتحديداً الأفكار الخيرة التي يشعر بها الإنسان أثناء معايشته لواقع شرير. هل نفس الولد الذي كان يلقي بالطباشير على مؤخرة رأس الطالب المتفوق الذي في صفنا هو نفس الولد الذي سحق مدينة كاملة بالقنابل؟ لك أن تتصور حيرتي وأنا أقول: لم أعد أطيقكم, لا أريد شيء منكم. سأغلق هاتفي.
ماذا بعد ايجادي لتلك الحقيقة؟ ماذا بعد إغلاقي لهاتفي وإنعزالي؟ ماهي الحقيقة؟ ما حاجتنا إلى هاتف يقطع صلتنا بأنفسنا كي يصلنا باللآخرين؟ مالذي تريدونه مني في الوقت الذي لا أريد فيه منكم شيء ؟ لا أطيقكم, لا أطيقكم, لا أطيق رؤيتكم, ففي كل مرّة أرى فيها أحد أمامي, أحسُّ بوجع في واقعي, أتألم كثيراً. لا أود حقاً تصور نفسي في المستقبل وأنا عاجز عن مقاومتكم, عاجز عن صد إرتدادكم أو عاجز عن عدم تجاهل مكالماتكم. لا أود حقاً تصور أنّي أشبهكم, أنتمي إليكم, أنتقي ملابسي تماشياً مع موضتكم, أقود سيارتي بذات الطريقة الهلوسية, لا لا أود تصور أني أشتم, أحلم, أقسم, أؤمن, أكفر, أجن, أنسج, أعمل, أفكر, أزور, أعاند, ألتقي, أبتعد, أنعزل, أكتب, أبكي, أحزن, أصرخ, أصادف, أتزوج, أعيش, أحصل, أخسر, أنتصر, أقبل, أرفض, أرتب, أجلس, أنجح, أفشل, أنوجد, أسجل, أتابع, أتصل, أرى, أسامح, أمر, أدعي, أبحث, أصبح, أنتظم, أمتسخ, أرحل, أذنب, أستأنف, أضطرب, أصدق, أقع, أصبر, أستغرب, أكره, أكون, أريد, أجانب, أحدد, أذهب.. لا شيء من هذا القبيل.
ليس ثمة شخص هُنا وهناك ليس بشرير فلماذا ندعي العكس؟ أنت تدري, تخفض عيناك وتدري كم أنت شرير يا هذا. خلف تلك الأفكار الغير منطوقة التي تحوم بداخل رأسك يكمن الشر. إنك لا تريد أن تكون شرير, لكنك تعودت على كونك هكذا. عينك التي أخفضتها قبل قليل وأنت لا تدري لماذا, إلى أين زاغت؟ صوب الشر. روحك التي تروح وتجيء وتخرج من كتفك متعذرة بمشاعر التعب أو بفكرة الموت الضاحكة بأسنان شديدة البياض, أين تنتظر؟ روحك تلك تتربع صالون الشر, تأكل المكسرات مع روح أخرى, روح شريرة أخرى أقل قابلية لفعل الخير. لقد بدا ليّ الكون بعيداً والملكوت قريب حين أدركت كمية الشرور التي بداخل كل شخص قابلته. أحببت بلا جهد أن أتجاهل ما لا أدركه عن سابق تصور مقابل أن أتجاهل ما أدركه بدون سابق تصور لكنني غير مصدق بعد بأنني غير قادر على تصور الأشياء التي لا أدركها بينما في نفس الوقت أنا غير قادر على تجاهل الأشياء ألتي أدركها. إنني أحس بعدم الإستقرار, هاتفي يرن كشاحنة ترجع إلى الخلف, مزاجي سيء, أشعر بالشر, ألا يريد أحد منكم أن يحضن تلك الفكرة التي تئن بصوت خافت في داخلي, بشكل واقعي؟ أقصد توجعني.

الاثنين، 15 أكتوبر 2012

لماذا نحن ماركسيون؟


ولد آلان وودز في سوانسي، ويلز، سنة 1944. وهو حاليا يعيش بلندن. سياسي وكاتب تروتسكي، وقائد للتيار الماركسي الأممي. حاصل على شهادة الدراسات العليا في فقه اللغة الروسية والسلافية من جامعات ساسكس (بريطانيا) وصوفيا (بلغاريا). ورئيس تحرير مجلة النداء الاشتراكي وموقع الدفاع عن الماركسية.
لقد مر عقدان من الزمن منذ أن نشر فرانسيس فوكوياما كتابا بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، معلنا الانتصار النهائي لاقتصاد السوق والديمقراطية البرجوازية. بدا كما لو أن هذه الفكرة قد تأكدت بفعل ما يقرب من 20 سنة من ازدهار الأسواق وارتفاع النمو الاقتصادي دون انقطاع تقريبا. وصار السياسيون ومحافظو البنوك المركزية ومديرو وول ستريت على قناعة بأنهم قد تمكنوا أخيرا من القضاء على الأزمات الاقتصادية.
الآن، وبعد مرور عقدين على سقوط الاتحاد السوفييتي، لم يبق هناك حجر على حجر في صرح أوهام البورجوازية تلك. فالعالم يواجه أعمق أزمة منذ الثلاثينات. أمام هذا الوضع الكارثي على الصعيد العالمي أصيبت البرجوازية في أوربا والولايات المتحدة واليابان بحالة من الذعر. في سنوات الثلاثينات قال تروتسكي إن البرجوازية كانت “تنزلق إلى الكارثة بأعين مغلقة”. إن هذه الكلمات تنطبق تماما على الوضع الراهن، كما لو أنها كتبت بالأمس.
طيلة السنوات العشرين الماضية تفاخر الاقتصاديون البرجوازيون بأنه لن يكون هناك مزيد من دورات الازدهار والركود، وأنه تم إلغاء الدورة. ومن الحقائق المعروفة أن الاقتصاديين البرجوازيين لم يتمكنوا طيلة عقود من توقع أية دورة ازدهار أو دورة ركود. لقد فبركوا نظرية رائعة جديدة تسمى “فرضية كفاءة السوق”. في الواقع، ليس هناك أي شيء جديد في هذه النظرية. إنها تعود إلى الفكرة القديمة القائلة بأن : ” السوق إذا تركت لحالها سوف تتمكن من حل كل شيء. وسوف تحقق التوازن تلقائيا. وما دامت الحكومة لا تتدخل، فإنه عاجلا أم آجلا كل شيء سيكون على ما يرام “. وهو ما علق عليه جون ماينارد كينز قائلا:”، عاجلا أم آجلا سنكون جميعا في عداد الأموات”.
في العقد الأول من القرن 21، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الرأسمالية قد استنفدت كل إمكاناتها التقدمية. وبدلا من أن تطور الصناعة والعلوم والتكنولوجيا، تعمل على تقويضهم باطراد. فقوى الإنتاج راكدة، والمصانع تغلق كما لو أنها علب أعواد الثقاب، ويلقى بالملايين إلى البطالة. كل هذه الأعراض تدل على أن تطور القوى المنتجة على الصعيد العالمي قد تجاوز الحدود الضيقة للملكية الخاصة والدولة القومية.
هذا هو السبب الأساسي الجوهري للأزمة الحالية، والتي كشفت عن إفلاس الرأسمالية بالمعنى الحرفي للكلمة. وتوفر المحنة التي تعيشها ايرلندا واليونان تأكيدا واضحا للحالة المرضية للرأسمالية الأوروبية. وغدا ستنتشر العدوى إلى البرتغال واسبانيا. لكن بريطانيا وإيطاليا ليستا بعيدتان. وستتبعهما فرنسا وألمانيا والنمسا حتما على هذا المسار التنازلي.
يبذل الاقتصاديون والسياسيون البرجوازيون، وقبل كل شيء الإصلاحيون من كل نوع، قصارى جهدهم للبحث عن حل للخروج من هذه الأزمة. وهم يتطلعون إلى استعادة دورة الأعمال لنشاطها كوسيلة للخلاص. ويعتقد قادة الطبقة العاملة والقادة النقابيون والاشتراكيون الديمقراطيون أن هذه الأزمة شيء مؤقت. يتوهمون أنه يمكن حلها عن طريق إدخال بعض التعديلات على النظام القائم، وأن كل ما تحتاجه هو المزيد من الرقابة والتنظيم، وهكذا يمكن العودة إلى الأوضاع السابقة. لكن هذه الأزمة ليست أزمة عادية، كما أنها ليست مؤقتة. إنها تمثل نقطة تحول رئيسية في السيرورة، حيث وصلت الرأسمالية إلى نقطة الإفلاس التاريخية. أفضل ما يمكن توقعه هو حدوث انتعاش ضعيف، يرافقه ارتفاع معدلات البطالة وفترة طويلة من التقشف وخفض مستويات المعيشة.
أزمة الإيديولوجية البرجوازية
الماركسية في المقام الأول هي فلسفة ونظرة إلى العالم. إننا لا نجد في الكتابات الفلسفية لماركس وإنجلز نظاما فلسفيا مغلقا، بل سلسلة من الأفكار والمؤشرات الرائعة، والتي من شأنها، إذا ما تم تطويرها، أن توفر إضافة قيمة إلى الترسانة المنهجية للعلوم.
ليس هناك من مكان تظهر فيه أزمة أيديولوجية البرجوازية أكثر وضوحا مما هي عليه في عالم الفلسفة. في مراحلها الأولى عندما كانت البرجوازية تقدمية، كانت قادرة على إنتاج مفكرين كبار: هوبز ولوك، وكانط وهيغل. لكن في عهد احتضارها، لم تعد البرجوازية قادرة على إنتاج أفكار عظيمة. بل إنها، في الواقع، غير قادرة على إنتاج أي أفكار على الإطلاق.
بما أن البرجوازية الحديثة غير قادرة على إنتاج تعميمات جريئة، فإنها صارت تنفي مفهوم الإيديولوجية نفسه. هذا هو السبب الذي يجعل مفكري ما بعد الحداثة يتكلمون عن “نهاية الأيديولوجية”. إنهم ينكرون مفهوم التقدم ببساطة لأنه في ظل الرأسمالية لم يعد من الممكن تحقيق أي التقدم. كتب إنجلز ذات مرة قائلا : “بين الفلسفة ودراسة العالم الفعلي نفس العلاقة التي بين الاستمناء باليد والحب الجنسي”. إن الفلسفة البرجوازية الحديثة تفضل الأول على الأخير. وفي سياق صراعها ضد الماركسية أجبرت الفلسفة على العودة إلى أسوء فترة من ماضيها القديم، البالي والعقيم.
المادية الجدلية وجهة نظر دينامية لفهم طريقة عمل المجتمع، والطبيعة والفكر. إنها أبعد ما تكون عن فكرة بالية من القرن التاسع عشر، إنها نظرة للطبيعة والمجتمع حديثة بشكل باهر. إن الديالكتيك ينفي الطريقة الجامدة في النظر إلى الأشياء التي تميزت بها المدرسة الفيزيائية الكلاسيكية الميكانيكية القديمة. وتبين أنه في ظل ظروف معينة يمكن للأشياء أن تتحول إلى نقيضها.
لقد لاقى المفهوم الجدلي القائل بأنه يمكن لتراكم تدريجي لتغييرات صغيرة أن يتحول في لحظة حرجة إلى قفزة عملاقة، تأكيدا باهرا بفضل نظرية الفوضى الحديثة ومشتقاتها. لقد وضعت نظرية الفوضى حدا للحتمية الميكانيكية الاختزالية الضيقة التي هيمنت على العلوم لأكثر من مائة سنة. لقد عبر الديالكتيك الماركسي في القرن التاسع عشر عما تؤكده نظرية الفوضى رياضيا الآن: الترابط الداخلي بين الأشياء، الطبيعة العضوية للعلاقة بين الجزيئات.
تشكل دراسة التحولات المرحلية واحدة من أهم مجالات الفيزياء المعاصرة. وهناك عدد لا حصر له من الأمثلة على الظاهرة نفسها. التحول من الكم إلى النوع هو قانون عام. وقد أوضح مارك بوكانان في كتابه الوجود المطلق (Ubiquity) هذه الظواهر على أنها تغييرات متنوعة مثل النوبات القلبية والانهيارات الثلجية وحرائق الغابات، وازدياد ونقصان قطعان الحيوانات، وأزمات البورصة، والحروب، وحتى التغييرات في الموضة والمدارس الفنية. والمدهش أكثر هو أنه يمكن التعبير عن هذه الأحداث بصيغة رياضية معروفة باسم قانون القوة.
لقد سبق لماركس وإنجلز، اللذان وضعا فلسفة هيغل الجدلية على أسس علمية (أي مادية)، أن توقعا هذه الاكتشافات الهامة منذ فترة طويلة. في كتابه المنطق (1813) كتب هيغل : “لقد أصبح من المسلم به في التاريخ أن الآثار الكبيرة تنشأ عن أسباب صغيرة”. كان هذا قبل وقت طويل من ظهور “نظرية تأثير الفراشة”. إن الثورات هي، مثلها مثل الانفجارات البركانية والزلازل، تأتي نتيجة لتراكم بطيء للتناقضات على مدى فترة طويلة. تصل السيرورة في نهاية المطاف إلى نقطة حرجة تحدث خلالها طفرة مفاجئة.
المادية التاريخية
كل نظام اجتماعي يعتقد أنه يمثل النموذج الوحيد الممكن لوجود الجنس البشري، وأن مؤسساته، ودينه، وأخلاقه هي أسمى ما يمكن أن يوجد. هذا ما كان أكلة لحوم البشر، والكهنة المصريون، وماري انطوانيت والقيصر نيكولاس يعتقدونه بشدة. وهذا ما كان فرانسيس فوكوياما يرغب في إظهاره عندما أكد لنا، دون أي أساس، أن نظام ما يسمى بـ “المقاولة الحرة” هو النظام الوحيد الممكن- بالضبط عندما بدأ يغرق.
ومثلما شرح تشارلز داروين أن الأنواع ليست ثابتة، وأنها تمتلك ماض وحاضر ومستقبل، وأنها تتغير وتتطور، شرح ماركس وإنجلز أن كل نظام اجتماعي معين ليس شيئا ثابتا إلى الأبد. إن التشابه بين المجتمع والطبيعة هو، بطبيعة الحال، تقريبي فقط، لكن حتى أكثر الدراسات التاريخية سطحية تبين أن التفسير التدريجي للتاريخ ليس له أي أساس. إن المجتمع، مثله مثل الطبيعة، يعرف فترات طويلة من التحول البطيء والتدريجي، لكنه يشهد أيضا انقطاع الخط بفعل التطورات المتفجرة – الحروب والثورات، التي تتسارع خلالها عملية التغيير بشكل كبير. في الواقع هذه الأحداث هي التي تشكل القوة المحركة الرئيسية للتطور التاريخي.
السبب الجذري للتغيرات الثورية هو واقع أن نظاما اجتماعيا واقتصاديا قد وصل إلى حدوده القصوى وصار غير قادر على تطوير القوى المنتجة كما كان يفعل من قبل. تحلل الماركسية العوامل الرئيسية الخفية التي تكمن وراء تطور المجتمع البشري منذ المجتمعات القبلية حتى العصر الحديث. إن المفهوم المادي للتاريخ يمكننا من فهم التاريخ، ليس كسلسلة من الحوادث الغير مترابطة والغير متوقعة، وإنما كجزء من عملية مترابطة ومفهومة بشكل واضح. إنه سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تشمل السياسة والاقتصاد ومجموعة كاملة من التطورات الاجتماعية.
إن العلاقة بين كل هذه الظواهر هي علاقة جدلية معقدة. كثيرا ما تبذل محاولات لتشويه الماركسية عن طريق اللجوء إلى وصف منهجها في التحليل التاريخي بصورة كاريكاتورية. والتشويه المعتاد هو القول بأن ماركس وإنجلز “اختزلا كل شيء إلى الاقتصاد”. لقد رد ماركس وإنجلز عدة مرات على هذه السخافة، كما هو واضح في المقتطف التالي من رسالة لإنجلز إلى بلوخ :
“وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، يعتبر العنصر الحاسم في التاريخ هو، في نهاية المطاف، إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. ولم نؤكد لا أنا ولا ماركس على أكثر من هذا. وبالتالي، فإذا ما قام شخص بتحويل هذا إلى القول بأن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد، فإنه يحول هذا الموقف إلى عبارة لا معنى لها ومجردة وفارغة”.
البيان الشيوعي
أكثر الكتب التي يمكن للمرء أن يقرأها اليوم راهنية هو البيان الشيوعي، الذي كتب سنة 1848. صحيح أنه من الممكن إدخال التغييرات على هذا التفصيل أو ذاك، لكن من حيث الجوهر ما تزال أفكار البيان الشيوعي راهنية وصحيحة مثلما كان عليه الحال عندما كتبت لأول مرة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الغالبية الساحقة من المؤلفات التي كتبت منذ قرن ونصف من الزمان لم يعد لديها اليوم سوى أهمية تاريخية.
الشيء الأكثر لفتا للنظر في البيان هي الطريقة التي يتوقع بها أكثر الظواهر الأساسية التي تشغل اهتمامنا على الصعيد العالم في الوقت الحاضر. دعونا نتأمل مثالا واحدا: في الوقت الذي كان ماركس وإنجلز يكتبان فيه البيان، كان عالم الشركات المتعددة الجنسيات ما يزال لحنا من المستقبل البعيد جدا. لكنهما على الرغم من هذا، أوضحا كيف أن “التجارة الحرة” والمنافسة ستقودان حتما إلى تركز رأس المال واحتكار القوى المنتجة.
من المضحك قراءة البيانات التي أدلى بها المدافعون عن “السوق” بخصوص خطأ ماركس المزعوم بشأن هذه المسألة، بينما هي في واقع الأمر واحدة من أكثر توقعاته براعة ودقة. والحقيقة التي لا جدال فيها اليوم هي أن عملية تركز رأس المال التي توقعها ماركس قد حدثت وتحدث، بل في الواقع وصلت إلى مستويات لم يسبق لها مثيل في غضون السنوات العشر الماضية.
على مدى عقود طويلة حاول علماء الاجتماع البرجوازي دحض هذا التأكيد و”إثبات” أن المجتمع أصبح أكثر مساواة، وأن الصراع الطبقي، نتيجة لذلك، صار مسألة بالية مثل النول والمحراث الخشبي. قالوا إن الطبقة العاملة اختفت وإننا صرنا جميعا من الطبقة المتوسطة. أما بالنسبة لتركيز رأس المال، فإن المستقبل للشركات الصغيرة، و”كل صغير جميل”.
كم تبدو هذه المزاعم مضحكة اليوم! الاقتصاد العالمي بأسره يوجد تحث سيطرة ما لا يزيد عن 200 شركة عملاقة، أغلبها في الولايات المتحدة. وقد وصلت سيرورة الاحتكار أبعادا غير مسبوقة. في الربع الأول من عام 2006 بلغت عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة عشرة مليارات دولار في اليوم. لكن هذا النشاط المحموم لا يعني تطويرا حقيقيا للقوى المنتجة، بل العكس. ووتيرة الاحتكار لا تقل بل تزداد. في 19، 20 نوفمبر2006 بلغت قيمة عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة مستوى قياسيا بلغ 75 مليار دولار – في غضون 24 ساعة فقط! عمليات الاستيلاء [التي تقوم بها الشركات على بعضها البعض] هي نوع من أكل لحوم البشر يتبعها حتما نزع الأصول وإغلاق المصانع والتسريحات، أي أنه بواسطة هذا التدمير المتعمد لوسائل الإنتاج تتم التضحية بآلاف مناصب الشغل على مذبح الربح.
وفي الوقت نفسه هناك زيادة مستمرة في عدم المساواة. في جميع البلدان تسجل حصة الأرباح من الدخل القومي أعلى مستوى، في حين أن حصة الأجور هي عند مستوى منخفض بشكل قياسي. السر الحقيقي وراء النمو الحالي هو أن الرأسماليين يستخرجون كميات قياسية من فائض القيمة من الطبقة العاملة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ينتج العمال في المتوسط أكثر بنسبة الثلث مما كانوا ينتجون قبل عشر سنوات مضت، ورغم ذلك فإن الأجور الحقيقية جامدة أو أنها تنخفض بالأرقام الحقيقية. الأرباح تتصاعد والأثرياء يزدادون ثراء أكثر من أي وقت مضى على حساب الطبقة العاملة.
دعونا نأخذ مثالا آخر أكثر إثارة للانتباه : العولمة. إن الهيمنة الساحقة للسوق العالمية هي المظهر الأكثر أهمية في عصرنا، وهذا يفترض أن يكون اكتشافا حصل مؤخرا. في الواقع إن العولمة قد تم توقعها وشرحها من قبل ماركس وإنجلز منذ أكثر من 150 عاما مضت. لكن عندما كتب البيان، لم تكن هناك عمليا أية معطيات ملموسة لدعم هذه الفرضية. كان الاقتصاد الرأسمالي الوحيد المتقدم حقا هو الاقتصاد الانجليزي. كانت الصناعات الناشئة في فرنسا وألمانيا (التي لم تكن موجودة حتى ككيان متحد) ما زالت محمية وراء حواجز جمركية مرتفعة- الأمر الذي تنساه الحكومات الغربية والاقتصاديون البرجوازيون بسهولة اليوم، في الوقت الذي تقدم فيه المحاضرات لبقية العالم بشأن الحاجة إلى فتح اقتصاداتها.
نتائج عولمة “اقتصاد السوق” على الصعيد العالمي مرعبة. في عام 2000 كان أغنى 200 شخص في العالم يمتلكون ثروة تساوي ما يملكه 2 مليار من الأشخاص الأكثر فقرا. ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، يعيش 1. 2 مليار شخص بأقل من دولارين في اليوم. ومن بين هؤلاء يموت ثمانية ملايين من الرجال والنساء والأطفال كل عام لأنهم لا يملكون ما يكفي من المال من أجل البقاء. يتفق الجميع على أن قتل ستة ملايين شخص في المحرقة النازية جريمة فظيعة ضد الإنسانية، لكن لدينا هنا هولوكوست صامت يقتل ثمانية ملايين من الأبرياء كل عام ولا أحد يقول أي شيء عن هذا الموضوع.
جنبا إلى جنب مع أبشع أشكال البؤس والمعاناة الإنسانية هناك فورة في الأرباح والثروات الفاحشة. هناك في العالم اليوم 945 مليارديرا يمتلكون ثروة إجمالية قدرها 3. 5 تريليون دولار. كثير منهم مواطنون أمريكيون. بيل غيتس يمتلك ثروة شخصية تقدر بنحو 56 مليار دولار، ولا يبتعد عنه وارين بوفيت كثيرا بثروة تبلغ 52 مليار دولار. وهم يتباهون الآن بالقول بأن هذه الثروات تمتد إلى “الدول الفقيرة”. من بين أكبر الأثرياء هناك 13 مواطن صيني، 14 مواطن هندي و19 مواطن روسي. ومن المفترض أن يكون هذا سببا للاحتفال!
الصراع الطبقي
تعلمنا المادية التاريخية أن الظروف المادية تحدد الوعي. والمشكلة هي أن الوعي ما يزال متخلفا عن تطور الشروط الموضوعية، والمنظمات الجماهيرية ما تزال متخلفة خلفهما، وفوق كل شيء ما تزال قيادة الطبقة العاملة متأخرة أبعد من ذلك. هذا هو التناقض الرئيسي في الفترة الحالية. يجب أن يحل هذا التناقض، وسوف يحل.
دائما ما يقدم المثاليون الوعي باعتباره القوة المحركة لكل التقدم البشري. لكن حتى الدراسة الأكثر سطحية للتاريخ تظهر أن الوعي البشري يميل دائما إلى التخلف عن الأحداث. إن الوعي أبعد ما يكون عن الثورية، إنه بالفطرة محافظ للغاية. معظم الناس لا يحبون فكرة التغيير، ناهيك عن الاضطرابات العنيفة التي تغير الظروف القائمة. إنهم يميلون إلى التشبث بالأفكار المألوفة، والمؤسسات المعروفة، والأخلاق التقليدية ودين النظام الاجتماعي القائم وقيمه. لكن جدليا، تتغير الأمور إلى نقيضها. عاجلا أو آجلا، سوف يصير الوعي متماشيا مع الواقع بطريقة متفجرة. وهذا هو بالضبط ما تعنيه الثورة.
توضح الماركسية ان مفتاح كل التطور الاجتماعي، في آخر التحليل، هو تطوير القوى المنتجة. فما دام المجتمع يسير إلى الأمام، أي طالما أنه قادر على تطوير الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا، فإن الغالبية العظمى من الناس ينظرون إليه باعتباره يستحق البقاء. في ظل هذه الظروف، لا يميل الرجال والنساء عموما إلى التشكيك في المجتمع القائم، والأخلاق والقوانين السائدة، بل على العكس من ذلك، ينظرون إليها على أنها أمر طبيعي وحتمي مثل شروق الشمس وغروبها.
الأحداث العظيمة ضرورية لتمكين الجماهير من التخلص من عبء التقاليد والعادة والروتين الثقيل، وتبني أفكار جديدة. هذا هو الموقف الذي يتبناه المفهوم المادي للتاريخ، والذي أعرب عنه كارل ماركس ببراعة في العبارة الشهيرة “الواقع الاجتماعي يحدد الوعي”. لا بد من أحداث عظيمة لفضح اختلال النظام القديم وإقناع الجماهير بضرورة القضاء عليه بشكل نهائي. هذه العملية ليست تلقائية وتستغرق وقتا.
في الفترة الماضية بدا كما لو أن الصراع الطبقي في أوروبا صار شيئا من الماضي. لكن الآن كل التناقضات المتراكمة بدأت تصعد إلى السطح، ممهدة الطريق لانفجار الصراع الطبقي في كل مكان. حتى في بلدان مثل النمسا، حيث تمكنت الطبقة الحاكمة لعقود من شراء السلام الاجتماعي بواسطة الإصلاحات، ها هي الأحداث العاصفة بدأت تتحضر. إن الوضع يتضمن تغيرات حادة مفاجئة.
عندما كتب ماركس وإنجلز البيان، كانا شابان في التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين من عمرهما على التوالي. كانا يكتبان في ظل فترة ردة رجعية هائلة. وكانت الطبقة العاملة تبدو جامدة. البيان نفسه كتب في بروكسل، حيث اضطر كاتباه إلى الفرار كلاجئين سياسيين. لكن وفي اللحظة التي رأى البيان الشيوعي فيها النور، فبراير 1848، كانت الثورة قد اندلعت بالفعل في شوارع باريس، وانتشرت على مدى الأشهر التالية كالنار في الهشيم في كل أوروبا تقريبا.
إننا ندخل مرحلة انفجارات قوية ستستمر لعدة سنوات، مشابهة للمرحلة التي عاشتها اسبانيا من سنة 1930 حتى 1937. ستكون هناك هزائم ونكسات، لكن في ظل هذه الظروف سوف تتعلم الجماهير بسرعة كبيرة. بالطبع يجب علينا ألا نبالغ، فما زلنا في البدايات المبكرة لعملية التجدر. لكن من الواضح جدا هنا أننا نشهد بداية تغيير في وعي الجماهير. عدد متزايد من الناس صاروا يشككون في الرأسمالية، وهم منفتحون على الأفكار الماركسية بطريقة لم تشهد من قبل. وفي المرحلة المقبلة ستصير الأفكار التي كانت مقتصرة على مجموعات صغيرة من الثوار راية لملايين الأشخاص.
يمكننا بالتالي أن نجيب السيد فوكوياما على النحو التالي : إن التاريخ لم ينته. إنه في الواقع، بالكاد بدأ. وعندما ستنظر أجيال المستقبل إلى الوراء إلى “الحضارة” الحالية، سيكون لديهم تقريبا نفس الموقف الذي لدينا من مجتمع آكلي لحوم البشر. إن الشرط المسبق لتحقيق مستوى أعلى من التطور البشري هو إنهاء الفوضى الرأسمالية ووضع خطة إنتاج عقلانية وديمقراطية يمكن بواسطتها للرجال والنساء أن يأخذوا حياتهم ومصائرهم بأيديهم.
سيقول لنا “الواقعيون” المزعومون “هذه يوتوبيا مستحيلة!”. لكن الأمر الغير واقعي تماما هو أن نتصور أنه يمكن حل المشاكل التي تواجه البشرية على أساس النظام الحالي الذي دفع العالم إلى حالته المزرية هذه. إن القول بأن البشرية غير قادرة على إيجاد بديل أفضل لقوانين الغاب هو تشهير بشع بالجنس البشري.
من خلال تسخير الإمكانات الهائلة للعلوم والتكنولوجيا، وتحريرها من قيود الملكية الخاصة والدولة القومية الخانقة، سوف يصبح من الممكن حل جميع المشاكل التي تنهك عالمنا وتهدده بالدمار. سوف يبدأ التاريخ البشري الحقيقي فقط عندما سيقضي الرجال والنساء على العبودية الرأسمالية ويقطعون الخطوات الأولى نحو عالم الحرية

الخميس، 4 أكتوبر 2012

يا مدّد ..

الواقع: هذا الجدل الممقوت المتعارض مع جراحات قلوبنا, المتوافق مع فشلنا الأيديولوجي حيثما رحنا نبرر انغلاق عقولنا وانفتاح الشرفات البعيدة المظلمة المطلة على حدائق موتنا وجيوبنا. هو الآن ذكرى, والذكرى ليست سوى قول الحقيقة بأشد أنواع الكذب صدقاً, عالمنا المفقود المتجسد في وجداننا الإنساني حيثُ تتفشى فيه الفذلكات والآمال ليعطينا فضيحة إيقاعية اسمها التذكر وبعض الأشواق الفائقة الحساسية, الغير كاملة لا في الدُنيا ولا في أخيلة أواخرنا. هو الآن احتقار, والاحتقار: استخدام العنف بأكثر الطرق السلمية ألتي لا تتعارض مع المحبة أو الكراهية كونهُ حالة غريبة جرفها الحزن الحاضر في الأغوار العميقة لذواتنا ورماها على شواطئ وحشتنا, عارية تنشر الرعب والسادية بين أفكارنا العدوانية وأحاسيسنا الطيبة. هو الآن عميق, طليق, في غابة أفكاري وكراهيتي والملل, الحقد: كأنهُ في نزهة, يفرش سجادته الفارسية في حديقة مواجعي العربية, يتربع, يلتهم سندويشاته, الواحدة تلوى الأخرى, ينتهي ثمّ بسرعة, يسيرُ مع أهوائي على وتيرة واحدة, هذا يعني تجانس/ توافق/ تكالب, هذا الأمر يختلف عن اللهو والعبث وتضييع الوقت مع عناصر أقل تجانس وخطورة. إذاً يا أولاد, يا حلوين: هناك واقع, ذكرى, احتقار, حقد. هؤلاء الأربعة, وَقَعَ عليهم الاختيار. إذا كنتم تسمعونني: مبروك. أرجو منكم التوجه إلى الصالة الرئيسية, أو المنصة لاستلام جائزتكم. أرجو منكم الصعود إلى الطوابق المحدّدة لكم. ادخلوا الغرف المخصصة لاستضافتكم. أهلاً وسهلاً. لقد أصبحتم جزء من كياني المنهار. مبروك.

إنها الساعة الرابعة عصراً بتوقيت ساعة هذا البيت الرتيب. لقد شعرت بفاشية ما كتبت منذ قليل. نظرت إليه على أنهُ أكثر أهمية من مقدمة ابن خلدون أو من قول الحقيقة, أعلى من رفاهية المجتمع السويدي. قد يكون هذا الكلام يتسم بالكثير من الغموض والعنجهية اللا أخلاقية, لكنهُ ليس قضية تقديرية كي تشخصه أو ترفضه, لأن المزاج عادة ما يتحكم في النظرة الشمولية لأي إسقاطات فكرية خارجية على عقل الإنسان البسيط المتمزق بين مثاليته الذاتية وتشوهاته النفسية وعوراته اللا إرادية. أتكلم عنك. أعنيك. أحاول أن أكون أقل كلفة وأشد فاعلية في التواصل معك. لا أعرف غير هذه الطريقة الوقحة الممزوجة بالتعالي والغرابة. الوضع يتطلب مني الدفاع عن نفسي قبل التعرض للهجوم والخطر. هذه إحدى علامات النضج والشيخوخة بجانب الفم الفاغر واللعاب السائل. أحمل في محفظتي نقود مزيفة وعملات أصلية فاقدة لقيمتها. الاقتصاد في تدهور, نسبة الملحدين في بريطانيا العظمى مرتفعة جداً, المازوت لا يصل بسهولة إلى أبناء القرية الواحدة, خبز, ملابس شتوية رخيصة, أدوية متوجسة, خيام, مشردين, هتافات, كفاية, توقف عن البحلقة في مؤخرة الطفل, كفاية, يسقط يسقط حكم الزعتر, يسقط يسقط حكم العنتر, يحيا السكر, امرأة شبه مغربية , أمامي على التلفاز, كلامها غير منطقي بصراحة, تعاكس رئيس الوزراء, لا أفكر بتبادل التحية معها, التومان التونوسي في الحضيض, الدينار الجزائري يشعرك بأنك أغنى من بيل جيتس ومايكل جوردن مجتمعين, المغرب  فيه سفاري, نافورة, أسواق, مسجد وهابي, كنيسة كاثلوكية خالية من القهوة, أين الإنسان وسط  هذا الانفتاح الانبطاحي, كيف تميز بين الاقتصاد القوي المهزوز والاقتصاد النامي الصلب؟ لا تضييع وقتك في البحث عن الإجابة, تخصصك حاسب آلي, كيف بحق الجحيم ستعرف؟ أنا سأخبرك. تخصصي الصفاقة. جواب السؤال الأخير في الحقيقة تحدده قوى الإمبريالية في هذه اللحظة, الجواب النافع المفيد هو: الموسيقى. انظر إلى موسيقى البلد ألذي ترغب في معرفة حالته الاقتصادية, انظر لهم كيف يرقصون, كيف يبتسمون, كيف يقطعون الشوارع, كيف عصافير الكرامة هجرتنا لتحط على أغصان أناملهم, ستعرف عن ماذا أتكلم حين تكتب على السبورة: أنا تافه. يبدو كلامي عدواني, يبدو أن نظرية سيغمون فرويد صحيحة. أنا أكره موسيقى الأوطان المستريحة, وقصائد الشعراء المرتاحين. يرى ” فلوجل” أن كُلاً من السادية و الماسوكية عبارة عن مركب من المواقف والانفعالات, مثل الازدراء والاستحياء واللوم  والتقزز. ماهي الماسوكية يا عيال؟ هي أن تتصنع بأنك تعبث بشعيرات ذقنك أثناء قطعك للطريق ولكنك في الحقيقة عمال تملمص في خياشيم جيوبك المناخيرية لاستخراج بقايا مخاخيطك المطاطية الخضراء ألتي تزعجك. إذا صدقت ما قلته لوهلة من الزمن, للحظة, يسعدني أن أخبرك: أنت عبيط لدرجة الجمال والهلوسة, في الواقع, توجد قصة للبير كامو اسمها ” الغريب” تعرض صورة قاتمة لموقف مسوكي بجانب موقف اللامبالاة ألذي يلعبه بطل هذه الرواية بتقبل وبكل إرادة مستسلمة لجميع المواقف ألتي ينجر إليها حيثُ تدمِر الذات نفسها فتتقبل ما يلحق بها من دمار ألذي تسببت به عوامل خارجية جعلته غير قادر على المحافظة على كيانه أكثر. لا شك أننا نحنُ العرب ممسوكين في وقتنا الحالي مسكه بنت كلب. هذا ما يوافقني عليه ابن خلدون وجان جاك روسو. لن أكتب ما ذكراه بهذا الخصوص وإلا فقدت جزء من ساديتي وماسوكيتي وكلابتي. هذا لا يخدم الموود ألذي ينبثق من فاقتي ويمزق كينونتي الكتابية الآن.عموماَ, فلنعد إلى موضوعنا الأساسي ألذي هو, وبعد قرابة الـ 700 كلمة: لا شيء. كنتُ متفائل بأنني حين أكتب بلا تفاؤل عن اللا شيء سينتهي بي المطاف مع ملايين الأشياء ألتي تدعو على التفاؤل. أفتقر إلى الثبات, المعرفة, القشع, التآمر. قد لا يلام على ذالك المتقلبون مزاجياً, ألذينّ يحولون ذباب الكدر إلى فراشة فلسفية مبنية على أسس جحيمية لا تطاق. الحكومة لا تطاق. عصير الموز حليب بعد مرور أكثر من عشر دقائق على شربك له لا يطاق. شعر العانة حين يختلط بشعر البطن لا يطاق. السواقة في هذا البلد لا تطاق. التوظيف السيئ للمنابر الدينية لا يطاق. العقلية الكروية الميوعة لا تطاق. العرش, الفساد, الرئيس, الأمير, الوزير, الرشاوى, الغفير, الحمير, الشرطي, العسكري, القائد, الضابط, الراقصة, العاهرة, الشيخ, الإمام, الكآبة, الفؤاد, المدرس, الممرض, الشاعر, الابتذال, المدح, الطواف, الهمهمات, النصوص القصيرة, العبودية, كلاب المباحث, نقاط التفتيش, الجينز, الثوب, الغترة, العقال, الفراغ, الهواجس, الشوائب, المبتدأ, الخبر, المرايا, الصور, فيس بوك, تويتر, تمبلر, الرقابة, الضمير, الخوف, الإعلام الجديد, الإعلام القديم, البربرة, الكلام, الخطابات, الضحى, السجن, الظلم, الكاتشيب, الشطة. أنا نفسي لا أطاق. تدب الشيخوخة في أخلاقي والمآسي والذوق القبيح: أستحق الصفع عليهم. يوجد أكثر من 600 مليون كائن إنساني يعيشون في حالة فقر مطلق, يصفعهم هذا العالم الجميل كل يوم حتى الموت والاستشهاد والتحنط, نحن كلنا مشتركون في قتلهم اليومي. لقد تجاوز ظلمنا المدى, يتزايد عدد المرضى, يقل عطاء الأطباء, هناك مريض في الشمال, هناك فقير في الجنوب, أدخلُ في موضوع وأخرج منه بشكل يثير الدوار, هذا من تأثير الحبوب. أعرف. لا أملك الكثير من الوقت, لا أملك حلووول كتلك المواطنة المحلولة, أرقام, أرقام, أهرول, تصطادني الأوهام, موقعي الاجتماعي مثير للفزع, العودة: حلم, الأمل: نحيل, دوائر منفصلة لكن متداخلة, “زحمة يا أبو جمال: هذي رحمة يا ولدي رحمة”, خللٌ في الإيقاع, خلل وتخبط في محاولات الخلاص, تبريرات, تبريرات, علماء الاجتماع يقولون: إنّ الماضي يشكل 70 % من الحاضر, لماذا تركوا لنا 30 % فقط؟ أين العدل؟ كتر خيرهم, كتر خيرهم, لا أحب أن أزيد كلمة على ما قلت, فقد تحدثت ” بدقة ” عما كنت أوحي إليه. أو بما أوحى ألله إليّ. كل ما يمكن أن أضيفه قد يزعج علماء الاجتماع وأبو جمال وألله. لذالك: كتر خيرهم كلهم في النهاية.

ثلاثة أرانب فرنسية, دجاجة نسايّة وكرسي للإستحمار.

( 1 )
الفكرة: تفكر بالفكرة, هناك: حقيقة فوق الحقيقة, حياتنا: ليس من الواضح أنها حياتنا. إنّ المأساة المروعة التي تصيب الانسان ولا يمكنه تفاديها أو عدم الاصغاء لها مهما حاول: مأساة الولادة وليس الموت. لهذا, علينا أن نكون أكثر وداً مع الأطفال والفقراء والمشردين الذين يغزون وينتشرون في عالمنا. تذكروا أن واجبنا كبشر عاديين لا يختلف كثيراً – من الناحية القانونية – عن واجب الأنبياء. لا تدر بالاً ولا تتوقف كثيراً عند النواحي القانونية لما أقول, فلو أخذنا بعين الاعتبار ما قاموا بفعله _ الأنبياء – من معجزات وبث أفكار ومفاهيم جديدة في مجتمعاتهم, لكانوا اليوم كلهم خلف قضبان سجن أبو زعبل أو طرّة. ولكم كانوا سيمرمطون جبرائيل عليه السلام في المحاكم. نحنُ غرباء: كالدخان المتصاعد من خياشيمنا لحظة ننام بعد ساعات من الضحك الممزوج بالبكاء, غرباء, كالروائح المنبثقة من ملابس الخباز المقتنع بوجود المخبرين والجواسيس بداخل التنور والعجين, غرباء: كالضجة الصادرة من تصوراتنا و رحلاتنا في أخيلتنا, غرباء: كالطين, كجبل من الحلوى, أسفلهُ بترول و معاريض, غرباء, كالابتسامة على وجه بهلوان حزين. ليس بشكل مؤقت: هل تعيش حياتك؟ حلماً أم خيالاً؟ أكره السجون. أكره السجون المليئة بالعمال والفقراء والكتّاب والمعدمين والشعراء. أكره الحيوانات الجائعة. أكره الانتماء لأي اتجاه, لأي حضيرة, لأي قطيع, لأي قبيلة, لأي إسطبل, لأي وطن, لأي قرن أو فترة تاريخية محددة. أكره المحللين السياسيين والرياضيين, ولا تهمني أبداً نتيجة مبارة برشلونة و ريال بطيخ,  لكن تحليلي للوضع هو: كي تتأصل وترتفع قيمة وأهمية ودور الحرية في حياتنا, يجب علينا اقامة علاقات اجتماعية صادقة حاملة للحريّة, بعيداً عن النفاق. أن ننحاز للصدق والحق والعدل والجمال.  لن يكون هنالك حُبّ من دون حرية. لن يكون هنالك صدق من دون ثقة. كي نحب غيرنا, علينا أن نتحرر من حبنا لذواتنا ولمحيطنا. كي نثق بغيرنا, علينا أن نثق بأنفسنا وانسانيتنا. في مجتمعنا, الكره: عنصر أساسي ومحرك مهم لطبائعنا. النفاق, اهتزاز الثقة والحقد كذلك. أكرهُ الكره. أكره من لا يكرهون الكره. أكرهُ النار الصاعدة من حاوية النفايات. أكره أن تمضي فترة طويلة وأنا فيها لم أعطي ولو قطعة بسكويت لكلب ضال. علينا أن ندمر الكره السائد في العالم والعنف الحاضر في سلوكياتنا. علينا أن نصدق أن الحب يصنع المعجزات التي لا تصدق. أن الحبّ أفضل من التدخين. أفضل من البلاهة. أفضل من التنكيت. أفضل من فطائر مطعم ماما نورة. علينا أن نصدق أن الحبّ أفضل من الكره, أقوى من الكره, ومن الضمة والشدة والفتحة ومن أبو الحروف نفسه. أن الحب سيعطي الكره رفسه في ساقه, سيشلوته, ثمّ سيرميه – بصعوبة – خارج مجرتنا, خارج كينونتنا, خارج نظرياتنا, خارج تكتيكاتنا. قد تستغرب إذا قلت لك أنّي لم أفكر كثيراً كي أكتب ما كتبته, ولم أراجع ضميري وحسابي في البنك كي أقول ما قلته. سأخبركم بسر أيها الرفاق, سأخبركم بسر:  يعودُ فضل اكتسابي لهذه الحكمة العظيمة إلى الكرسي الهزاز الذي أجلس عليه كل يوم تقريباً لمدة تزيد عن 4 ساعات. علاوة على ذلك: أنا محاط بشلة متخلفة جداً. أنا مُحاط بمجموعة غبية من البشر. هذا الأمر يساعدني على استخدام حوافري أكثر. لهذا, وبجانب العزلة عن الناس: اشتريت ثلاثة أرانب فرنسية, دجاجة كثيرة النسيان, وكرسي هزاز, سأهتز بمزيد من الجد كي لا أتحول كالبقية: إلى حمار هزاز, يملك ثلاثة أرانب فرنسية, دجاجة نسايّة وكرسي للإستحمار. 

ماذا أفعل في هذا العالم.

- 1 -

تعبت من إيذاء الآخرين. ماذا أفعل إذن؟ ماذا أفعل في هذا العالم إلى الآن؟ أتجنب اليأس بقدر المستطاع. اليأس أشد إيلاماً للذات من خيانات الأصدقاء. لا أرغب بالإستسلام, لا أرغب برؤية بنديقتي في يد الأعداء, إنني أحاول, إنني أحاول أن لا أموت وأنا في منتصف الطريق, إنني أحاول أن أعيش بجدية. أتجنب اليأس, أتأمل القذارات المتكومة أسفل أظافري, أشدُّ من أزري, أضع يدي على كتفي وأربت على نفسي مثلما فراشة يلاحقها صياد . ماذا أفعل في هذا العالم؟ إنني أسخر من مهزلة وجودي. أستيقظ مبكراً, أفتح حنفية الماء بقدمي وأعد المتبقي من أسناني. في الحقيقة: أنا خائف, خائف من أن أنام ولا أستيقظ قبل أن أمزق ما كان على الدوام يمزقني, وأدمر ما كان طيلة حياتي يدمرني. خائف من أفلاطونية الأشياء كما أنني في نفس الوقت خائف من توافة الأشياء. خائف من أن أدلق الشاي على الضيوف. خائف من الثقب الذي في الباب. خائف من الصمغ الذي وضعته أمي خلف الثلاجة. خائف من الصدأ الذي بدأ ينهش في عظام قضبان الغرفة. خائف من أبناء هذه الأرض. خائف من أحصنة ذبيحة تتشكل صورها في السماء على هيئة غيمة سوداء تطاردني من المنزل وحتى وصولي إلى مكتبي. خائف حد أنني أشعر بالإسمنت ينهار كلما رفعت أقدامي لأخذ خطوة أخرى. هل أنا من تسببت بكارثة جدة؟ لأنني أعتقد بأن اثبات النفي يكون بنفي النفي لا بنفي الإثبات, لذلك سأقول الحقيقة: كانت آخر زيارة قمت بها لجدة وأنا عمري لم يتعدى السبع سنوات. قمنا بها نحنُ برفقة بيت عمي عبدالرزاق, عمي الذي تربيت في منزله: مات منذ أكثر من عام ولا زلت أبحث عن قبره. لا أتذكر عنها شيء, أعني مدينة جدة: لا أذكر الطرقات, لا أذكر الأضواء, لا أذكر الروائح, لا أذكر تصميم المنازل, لا أذكر حتى الناس. أذكر: أنا خائف من كوني لا أخاف. كي أثبت لك ذلك أحتاج إلى اثبات خوفي من الخوف كي أقدر بعدها على خوف خوفي واثبات عدم مخافتي من الأشياء. قد يخطر ببالك الآن الجحيم أو بأنني فيلسوف سخيف. تقول: كيف لا يخاف هذا الصعلوك؟ ماذا عن النار؟ ماذا عن عقاب الله؟ ماذا عن أسماك القرش؟ ماذا عن بلطجية النظام؟ ماذا عن السلفيين؟ ماذا عن الكهرباء؟ والسكاكين الحادة والمحاريث السنينة والأسلحة المنتشرة في كل مكان والإستحمام ثم الخروج ومواجهة المكيف وحوادث السيارات والجمال الشاردة والزلازل والحروب والمجاعات والفقر واسرائيل وقوى الإستعمار وزيت المقلى الحار وسقوط الطائرة المحتمل والإرهاب والفشل واليتم والسجن والأمراض الأمراض الأمراض! ماذا أفعل في هذا العالم إلى الآن؟ أنا فأس في يد حطاب أعمى, لا أستطيع إصابه هدفي إلا بعد عدة محاولات. الحياة: واحدة وشخص ما أعمى يمسك بفأس ثقيل ويحاول أن يصيب كتفي وهو يضحك. لا أعرف هذا الشخص, لا أخافه. إنني أخاف من عدم معرفة ما لا أعرفه أكثر من خوفي من الأشخاص الذين لا يعرفون. ذكرت إحدى الإحصائيات أن المواطن العربي يقرأ ثلاث صفحات في العام بينما المواطن الأجنبي يقرأ خمسة كتب على الأقل, كل عام. ماذا أفعل في هذا العالم؟ أبحث عن قبر عمي الذي توفى منذ أكثر من عام وعن بداية المفاهيم وماهية الأمور التي تشكل وعي الإنسان, كلما هممت بحلق لحيتي. اليوم هو الجمعة, الموافق 13 يوليو, حلقت لحيتي. نعم, وأنا أحلق لحيتي للمرة العاشرة على التوالي بذات شيفرة الحلاقة لاحظت عدد لا بأس به من الجروح التي كان يمكنني أن أتفادى وقوعها في وجهي ولاحظت شيء آخر. لاحظت بأن من لا يقرأ يتحدث بلغة / منطق نخبوي تماماً كالذي يقرأ ويتحدث بلغة ومنطق نخبوي أيضاً حيث صار من لا يملك وعي النخبوي يعبر عن أفكاره بطريقة نخبوية ولأن من يملك وعي نخبوي من الطبيعي أن يعبر عن أفكاره بطريقة نخبوية أصبح الحوار الدائر بين اللا واعي لنخبويته ومتمسك بعاميته وبساطته وبين النخبوي الواعي والتارك بساطته وعاميته في المنزل حوار بيزنطي وسخيف. لاحظت بأن المشكلة لا تكمن في من هو لا يقرأ كما هي واقعة على الذي يقرأ ويتحدث بلغة نخبوية وغير مفهومة مع الذي لا يقرأ ولا ينتبه بأنه يتحدث بلغة نخبوية لا تناسب وعيه البسيط المعتاد بحكم الظروف أولاً على الدخول في حوارات بسيطة ومفهومة وغير معقدة. المشكلة أيضاً تكمن في عدم تفريقنا بين القاريء النخبوي الذي يكتب بطريقة بسيطة وبين القاريء النخبوي الذي يكتب بطريقة أشد نخبوية من مؤسس أول طبقة نخبوية في العالم الحديث والقديم ومن ثمّ يشتكي هذا القاريء النخبوي من جهل العامة. الكتب التي في حوزتك لا تساوي شيء طالما لم تجعلك قادر على إيصال أفكارك لمن هو لا يقرأ. المكان الذي أرتاده منذ فترة ليست بالقليلة هو عبارة عن قهوة شعبية, مرتع لكبار السن الذينّ بينهم وبين الموت مسافة تقل عن المسافة التي تفصل بين الأنف وبين الشفاه. وجدت في هذه القهوة مختلف الطبقات والنخب والشرائح المجتمعية: المتعادية والمتصالحة. وجدت فيها: بائع خضروات, بيني وبينه ثأر صعيدي. فيها من يأتي لتذكرينا بوجود الله ويتأكد من تديننا, فيها أيضاً من يأتي لبيع الملابس الداخلية, فيها من يبيع الخواتم والصور القديمة, فيها من يأتي كل يوم ليبيع عليّ أنواع مختلفة من السنافر بعد أن زل لساني وأخبرته بمحبتي للسنافر: إنهُ يستغل ضعفي بطريقة حقيرة,هذا العجوز الفاني! فيها أيضاً من يأتي ويفتح جريدته ولا يقرأ بل يكتفي بالتنصت على أحاديث البقية ممثلاً ببراعة الثقافة النخبوية, الكثير و الكثير. لا أحاول فرض ثقافتي على أحد, بالأخص على هؤلاء. إنني أستمع لهم كعبيط. بعضهم يكذب, يخربط, يهربد, يشطح حين يجدني متساهل معه لهذه الدرجة من الإهتمام بالتفاهات التي يحكيها. أحدهم على سبيل المثال, أخبر ثلاثة غيري بأن روسيا لم تستخدم الفيتو هذا إلا مرة واحدة: لأجل سوريا. كان هذا الرجل يحرضنا على كره روسيا باستخدامه هذه الطريقة الخبيثة, كان يتحدث وكأن فلادمير لينين صديق والده منذ أيام الطفولة بينما في الواقع ومنذ عام 1946 وحتى 2008 تم استخدام هذا الفيتو اللعين في أكثر من 261 مناسبة, كان لروسيا 124 فيتو من ذلك العدد. هل ألومه؟ هل ألوم هذا الرجل لأنه كذب أم ألوم الثلاثة الذين لم يتاكدوا من صدق أقواله وأرقامه؟ لن ألومه ولن أصدق أقواله. الجهل ليس عيب لكن المدافعة عن الجهل: حرام. طبقات. العالم: طبقات. بداخل كل طبقة مجتمعية: شرائح وأنا الآن متعب كشريحة مرتديلا باردة ولا يسعني التعمق في الطبقات أو الشرائح التي أتعامل معها يومياً. سأذهب لأنام لأنني لا أعرف ماذا أفعل في هذا العالم, حتى الآن.

 

اعتقادات آخر النهار.

 
- أعتقد بأن الشخص الذي سألني عن ماهية مذهبي ونوع سيارتي وشكل حبيبتي وعدد الكتب التي بحوزتي: هو يبحث بوسيلة فولكلورية عن غاية ما يدمرني بها بيوغرافياً ونفسياً. هذا من حقه.
( 2 )
- أعتقد بأن اهتماماتي الأدبية تجاه المواضيع السياسية والدينية والاقتصادية أضافت لعلاقاتي الإجتماعية ومفاهيمي العامة أبعاداً خيالية وعاطفية محضة. هذا من حقي.
( 3 )
- أعتقد بأن الانسان الذي لا يحب الموسيقا إنما هو غابة من الأصنام المحطمة, يركض فيها كلب جريح وصياد لهيث. هذا ليس من حقه.
( 4 )
- أعتقد بأن المصور الفوتوغرافي الذي ينقل للعالم بآلة جامدة وعبر حيز ضيق كالعيون كل ما في الكون من بؤس وفضاء وزمان وفناء, ماهو إلا خيط مشدود بالآلهة.
( 5 )
- أعتقد بأن الصورة العالمية للإضطهاد تتكون من سبعة نساء, ثلاثة فقراء, رجل معاق ونصف شاعر متأزم.
( 6 )
- أعتقد بأن حبي لكِ ظل راكعاً عندكِ في بلاط الوفاء والكآبة بما فيه الكفاية, فالتغوري في داهية. المجد للنسيان والحرية والكفاح والذرة المشوية.
( 7 )
- أعتقد بأن الوسواس الخناس: ماهو إلا خيبة أملنا بعدم مقدرتنا على التقرب من الله من دون أن نحمل معنا نرجسيتنا الآدمية البغيضة.
( 8 )
- أعتقد بأن مرآة مكسورة واحدة للعالم لن تكون كافية لأن تمنعنا من الالتقاء بأنفسنا عشرات المرات في اليوم. دون طائل.
( 9 )
- أعتقد بأن شرشبيل كان يحب السنافر بمرارة, بأسلوبه الحلو الخاص. لا تدع الصورة تخدعك. لا تدع ايمانك الضعيف بالخير يتغلب على ايمانك الكسول بالشر.
( 10 )
- أعتقد بأن الكاتب الذي لا يثير الدهشة, يعاني من مشكلة عدم فهم سلوكيات الناس النفسية والاجتماعية ولا مناص له إلا تقشير البصل  أو تربية الفراشات.
( 11 )
- أعتقد بأن أغلبية الأدب العربي الحديث لا يتطابق مع ماهو موجود على أرض الواقع, ولا يعبر إلا عن لحظات ” راهنة ” لا فائدة من استرجاعها في المستقبل.
( 12 )
- أعتقد بأن التوتر الروحي الذي أشعر به, والهواجس الوجودية / الشكوكية الكامنة في اللا وعيي, وتمزق صورة الوطن على يد هولاء السفلة أمامي: أشياء تبرهن على أنني لم أمت بعد.
( 13 )
- أعتقد بأن شعوري بالغربة بدأ حين ضربني مدرس الرياضيات بالجزمة القديمة على رأسي لأنني قلت له: في نظري, 1 + 1= صفر. ربما كنت في السابعة من عمري.
( 14 )
- أعتقد بأن تسلقي لحائط المدرسة الشبيه بالمهبل الممزق ثمّ القفز على كبوت سيارة مدير المدرسة لمجرد الذهاب للبوفية كان بداية معرفتي بكلمة: سجن.
( 15 )
- أعتقد بأننا نكتب عن ذكرياتنا التعيسة لأننا نؤمن بأنها قابلة للإصلاح, وإنّ امكانية الرجوع بالزمن إلى الوراء: هو عمل انتشائي باللا نسيان و اللا نهاية.
( 16 )
- أعتقد بأن الوقت قد حان كي يفهم الإنسان الشيعي أن الإمام علي عليه السلام كان غير مفهوم أكثر منه مظلوم.
( 17 )
- أعتقد بأن على الإنسان السني أن يفهم التالي: توقع الرسول الأعظم وعمر ابن الخطاب حدوث فتن مستقبلية بين المسلمين انفسهم لا يعني أن معاوية يستحق منه كل هذه الرحمة والتجاوز.
( 18 )
- أعتقد بأن على الطرطو الشيعي والطرطور السني أن يدركا أن الاختلافات السياسية التي كانت بين الخلفاء الأربعة تدعو إلى التفاؤل لا إلى هذا التشاؤم المرير.
( 19 )
- أعتقد بأن المشلكة ليست في الإسلام كدين, المشكلة أن الغرب اليوم لا يرى الإسلام الحسن بل هو يشهد على الإسلام القبيح, وهذا الأمر يعطيه الدافع الكافي لتنمية العداء والكره له ولنا.
( 20 )
- أعتقد بأن علينا كبشر أن نصير الخير لا أن ننمو بالشر ونحركه.
( 21 )
- أعتقد بأن المعمم الشيعي اليوم يدفع بالشيعي العادي للجهل بطريقة دنيئة من ناحية والشيخ السني لا يتوارى عن الرد عليه بطريقة أشد دناءة.
( 22 )
- أعتقد بأن علينا التوقف عن التهافت على الفردوس والتفكير أولاً بأشياء أخرى غير الخرافات والأوهام تساعدنا على تجنب دخول الجحيم وتقينا من سعير إلهامه وتأثيره على خوفنا و أفعالنا.
( 23 )
- أعتقد بأن سعي الإنسان نحو الكمال هو سعي مدهش نحو اللعنة والضياع والشكوى والجمال.
( 24 )
- أعتقد بأن تكفير بعض مشايخ السنة للطائفة الشيعية هي ردة فعل بائسة على شتم بعض الملالي لبعض صحابة الرسول.
( 25 )
- أعتقد بأن اعتقاد عامة السنة أن عامة الشيعة مغرر بهم ما هو إلا اعتقاد مثير للضحك والشفقة والحيرة.
( 26 )
- أعتقد بأن دعوة الشيخ السني لعامة الشيعة بالتحرر من سطوة المعممين والمراجع هي دعوة فاحشة بالتناقض والحماقة والعجب والأنانية.
( 27 )
- أعتقد بأن تهافت المسلمين ” سنة , شيعة ” على متابعة مشايع التنويم والفتن المغنوطائفية كالعرعور والفالي والعريفي والخميس والحبيب هو أمر لا يرضي الرسول – ص – ولا حتى المشركين!
( 28 )
- أعتقد بأن على الدولة سنّ قانون يسمح بحبس الأغنياء بتهمة ازدراء الفقراء.
( 29 )
- أعتقد بأن على الدولة حبس كل الأغنياء بتهمة الثراء الفاحش وعدم الاستعجال بقطع الشارع.
( 30 )
- أعتقد بأن على الدولة توفير سجن بجانب منزل كل مواطن كي تختصر على أهالي المعتقلين كل هذه المرمطة والمذلة.
( 31 )
- أعتقد بأن علينا هجر أوطاننا وتركها فارغة لهم حتى يشعروا بالملل فيأتون إلينا طالبين منا العودة, فنأكل بعقلهم حلاوة, ونتركهم نحن في المنفى ونعود لأوطاننا. ولا من شاف ولا من دري.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More