الخميس، 22 أغسطس 2013

ماذا بعد؟

( 1 ) 
ماذا بعد؟ في يوم مشمس, لا مفر منه, نحو الساعة السادسة صباحاً, استيقظت من النوم مثل تحية عسكرية, على صوت بائع الحليب. كم هو مزعج على المستوى السمعي كما لو أنه قنبلة ذرية. إنه رجل متنوع وجيد في العموم. بائع الحليب الذي لا يطرق الباب .. بائع الحليب هذا لديه مشكلة حقيقية مع الخشب. لهذا, هو يأتي كل ثلاثة أيام ويصرخ من بعيد: ” استيقظ يا سيد باسل واحصل مني على قارورات الحليب الطازجة بسعر عادي جداً كي يمكنك خوض النقاشات الجادة بدون تشويش! ” .. نعم, باسل؟ هذا ليس اسمي, اسمي بعيد عن هذا الاسم. أنا رجل جاد وأعصابي لا تتحمل الكثير من تفاهات الناس وتدني أذواقهم. لا أدري لماذا اختار لي بائع الحليب هذا الاسم. لماذا باسل بالتحديد؟ لماذا ليس إيليا أو لورا أو كارمن أو ثامر أو جلال أو خلدون حتى؟ هل كانت المسألة بالنسبة له .. حسابية؟ سأتجاوز هذا اللبس. أنا أعمل في مخبز صغير لكنه مشهور اسمه ” مخبز التعايش ” .. صاحب المخبز اسمه بشير, وهو رجل متبلد يفتقر إلى الرحمة والصراحة وتبادل الأراء, ومعروف بين الناس بـ ” مكعب الإسمنت ”

لنعد إلى ما قاله بائع الحليب: لم تكن عبارته طريفة لكنها نجحت في أن تجعلني أبتسم على الأقل. أتصور أن مركز الإضحاك في تلك العبارة يكمن في قائلها وليس فيها على الرغم من طرافتها. في بعض الأحيان, نسمع الكثير من الأشياء الطريفة لكننا لا نضحك, ليس لأنها ليست مضحكة, بل لأننا ببساطة وجدناها غير جديرة بنيل ثقتنا. من أين تستمد الأشياء الطريفة أحقيتها في الفوز بثقتنا؟ ينبغي على أحدنا أن يجيب على هذا السؤال. المسألة ليست حياة أو موت. ما أستطيع قوله هو: لا يجب علينا أن نضحك دون رغبة منا في الضحك. لا يجب علينا أن نضحك إلا بعد أن نتأكد أن الأمر مضحك فعلاً. علينا أن نقرر .. هل ما قالوه مضحك أم سخيف؟ ثم بعد ذلك نتخذ الإجراءات اللازمة. إذن العملية عملية تقييم في الأول والأخير. لكننا دائماً ما نتورط في تقييم الأشياء, المعنوية أو المادية, والتحكم في انفعالاتنا, لعدم إلمامنا بحقيقة العلاقات القائمة بين ما يسعدنا وما يشقينا. من الصعب على الإنسان أن يفلت من سطوة الأشياء التي من هذا القبيل. أحزاننا وسخافتنا لم تعد تخدع أحداً. أعترف بذلك.

ماذا بعد؟ ودعت سريري الواسع. آه كم هو واسع سريري بالفعل. يخيل لي أنه أوسع من دولة الفاتيكان على الرغم من أنني أعرف أنه ليس أوسع من أي سرير واسع يشبهه. هل من المهم أن يكون سرير المرء واسع؟ طبعاً, على الأقل بالنسبة لحالتي, هناك عدة أسباب. هناك أسباب بديهية قديمة وأسباب خاصة بي. سأكتفي بسرد الأسباب الخاصة بي, وقد أعرج على الأسباب البديهية ( إنجاب أطفال في حالة صحية جيدة / القفز بطمأنينة / ادعاء المرض / البكاء / تجهيز خطة لإبادة البشرية / إلخ ) إذا شعرت بحاجتي إلى ذكرها. يبدو أنني ذكرتهم وانتهيت. لماذا أنا دائماً متسرع وعادة ما أخلط بين الأمور البديهية العامة والأمور البديهية الخاصة بي؟ يبدو أن لا شيء ثابت في هذا العالم. يبدو أن كل شيء قابل للتعديل, وبالأخص الثوابت. والآن .. جمعينا يعرف أن السرير عبارة عن شيء يمتاز بالجمود, وأن الهدف من السرير هو النوم عليه وليس بخارجه أو حوله. ولكن, وقبل أي شيء, لا بد أن يكون السرير واسع. من الضروري أن يكون السرير الذي أنام عليه واسع .. لا يهم أن يكون مريح أو ثابت أو بلا أصوات .. المهم أن أنتمي إليه وينتمي إليّ. قد يندهش القارئ لما أقوله. لهذا .. في الواقع, مسألة الانتماء للسرير مبالغ فيها, وأنا قلت ما قلته لإحداث توازن معنوي قد أستفيد منه في المستقبل, ولن يضر السرير في شيء بطبيعة الحال. أعتذر لهذا التشويش والدهشة. على العموم, لا أريد أن أشعر في لحظة معينة, وأنا نائم على السرير, أنني أنام على سرير واسع فقط. أريد أن أشعر أنني أنام على شيء خاص بي .. لا يوجه لي الكثير من الأسئلة .. أحميه .. لا يلموني على حظي التعيس .. شيء موجود لدي لأنه لي .. شيء يحبني لأنه يحبني .. شيء يثير اهتمامي ويتضامن معي بحيث أتمنى أن أكون ما هو عليه ولو ليوم واحد أو يكون برفقتي إلى الأبد. الأمر واضح: كلما كان سريري أوسع, كلما ازداد وعيي.

ماذا بعد؟ ذهبت إلى دورة المياه. مهما اختلفت الأزمنة واختلف البشر: يتوجب علينا أن نذهب إلى دورة المياه بعد أن ننهض من على السرير مباشرة. لقد لاحظت أن الناس بدأت تتخذ موقف عدائي من فرشاة الأسنان. إن هذا الأمر مفجع. فرشاة الأسنان ليست بعبعاً, بل نواياها صريحة وصحيحة. لا أعرف . . لماذا لم نأخذ معنا فرشاة الأسنان عندما دخلنا عالم ما بعد الحداثة؟ لا أعرف . . أين هي البطولة في الخروج من المنزل ورائحة فمك تخالف المعايير الإنسانية الموضوعة؟ لا أعرف . . أين أنصار الواقعية الاشتراكية والتحليل النفسي وأدب المقاومة عن هذه المهزلة؟ وهل الأراضي الفلسطينية أهم من أسناني؟ لا أريد ممارسة أي دور نقدي في هذا الموضوع, أو الاسترسال في الحديث, منطلقاً بغضبي لا بمنطقي. لكنني أريد تنبيه الناس إلى هذه النقطة. الناس الذين لا يضعون دورة المياه على قائمة أولياتهم بعد استيقاظهم من النوم, بالتحديد.

ماذا بعد؟ خطرت ببالي فكرة . .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تتم مراقبة جميع التعليقات قبل نشرها للحفاظ على النظام. الموافقة على نشر تعليق معيّن لا تعني الموافقة على محتواه. جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More