- 1 -
هاتفي يرن, يرن كشاحنة ترجع إلى الخلف. ترى ماذا يريدون مني؟ ألا يعرفون بأني شخص يحتاج إلى العزلة كي يشفى من جراحه التي تئن بصوت خافت كلما اختلطت بالبشر؟ لم أعد أطيق رؤية أحد لا يستطيع سماع ذلك الصوت الخافت الذي يئن بداخلي. عيب. أستطيع تخيل إجابة هذا السؤال لكنني أحتاج إلى الحقيقة. من هو, ذلك الشخص الغير منطقي الذي فكّر بي وقرر مهاتفتي وأنا على وشك إيجاد الحقيقة التي طالما كنت أنعزل عن العالم الخارجي بحثاً عنها؟ من هو ذلك الشخص؟ ولماذا لم أغلق هاتفي؟ الحقيقة:عزلة هاتفية. عرفت ذلك خلال وجودي مع نفسي بالإضافة إلى الهاتف.
إن هذا التطور المظلم لذلك التصور المنير الذي اضطرني إلى التحول لا شعورياً من حنق عادي ويومي على هاتفي إلى قوة لا تقهر من المشاعر اللا حسية المتقهقرة بإتجاهكم في آخر الأمر ليست سوى البداية. بداية أعمل جاهداً على التأكد من أنها ستؤدي إلى نهاية الجميع. إذا كنت غير معتقد بصحة ما أقوله وتشكك في صدق مشاعري فهذا عائد إلى كونك متحيز إلى فكرة الخير, بل ربما تتجاوز تلك الفكرة حد الخير وتصل بالسلامة إلى اقتناع. عندي قصور في استيعاب التالي. أقصد بالتالي: فكرة الخير والشر وتحديداً الأفكار الخيرة التي يشعر بها الإنسان أثناء معايشته لواقع شرير. هل نفس الولد الذي كان يلقي بالطباشير على مؤخرة رأس الطالب المتفوق الذي في صفنا هو نفس الولد الذي سحق مدينة كاملة بالقنابل؟ لك أن تتصور حيرتي وأنا أقول: لم أعد أطيقكم, لا أريد شيء منكم. سأغلق هاتفي.
ماذا بعد ايجادي لتلك الحقيقة؟ ماذا بعد إغلاقي لهاتفي وإنعزالي؟ ماهي الحقيقة؟ ما حاجتنا إلى هاتف يقطع صلتنا بأنفسنا كي يصلنا باللآخرين؟ مالذي تريدونه مني في الوقت الذي لا أريد فيه منكم شيء ؟ لا أطيقكم, لا أطيقكم, لا أطيق رؤيتكم, ففي كل مرّة أرى فيها أحد أمامي, أحسُّ بوجع في واقعي, أتألم كثيراً. لا أود حقاً تصور نفسي في المستقبل وأنا عاجز عن مقاومتكم, عاجز عن صد إرتدادكم أو عاجز عن عدم تجاهل مكالماتكم. لا أود حقاً تصور أنّي أشبهكم, أنتمي إليكم, أنتقي ملابسي تماشياً مع موضتكم, أقود سيارتي بذات الطريقة الهلوسية, لا لا أود تصور أني أشتم, أحلم, أقسم, أؤمن, أكفر, أجن, أنسج, أعمل, أفكر, أزور, أعاند, ألتقي, أبتعد, أنعزل, أكتب, أبكي, أحزن, أصرخ, أصادف, أتزوج, أعيش, أحصل, أخسر, أنتصر, أقبل, أرفض, أرتب, أجلس, أنجح, أفشل, أنوجد, أسجل, أتابع, أتصل, أرى, أسامح, أمر, أدعي, أبحث, أصبح, أنتظم, أمتسخ, أرحل, أذنب, أستأنف, أضطرب, أصدق, أقع, أصبر, أستغرب, أكره, أكون, أريد, أجانب, أحدد, أذهب.. لا شيء من هذا القبيل.
ليس ثمة شخص هُنا وهناك ليس بشرير فلماذا ندعي العكس؟ أنت تدري, تخفض عيناك وتدري كم أنت شرير يا هذا. خلف تلك الأفكار الغير منطوقة التي تحوم بداخل رأسك يكمن الشر. إنك لا تريد أن تكون شرير, لكنك تعودت على كونك هكذا. عينك التي أخفضتها قبل قليل وأنت لا تدري لماذا, إلى أين زاغت؟ صوب الشر. روحك التي تروح وتجيء وتخرج من كتفك متعذرة بمشاعر التعب أو بفكرة الموت الضاحكة بأسنان شديدة البياض, أين تنتظر؟ روحك تلك تتربع صالون الشر, تأكل المكسرات مع روح أخرى, روح شريرة أخرى أقل قابلية لفعل الخير. لقد بدا ليّ الكون بعيداً والملكوت قريب حين أدركت كمية الشرور التي بداخل كل شخص قابلته. أحببت بلا جهد أن أتجاهل ما لا أدركه عن سابق تصور مقابل أن أتجاهل ما أدركه بدون سابق تصور لكنني غير مصدق بعد بأنني غير قادر على تصور الأشياء التي لا أدركها بينما في نفس الوقت أنا غير قادر على تجاهل الأشياء ألتي أدركها. إنني أحس بعدم الإستقرار, هاتفي يرن كشاحنة ترجع إلى الخلف, مزاجي سيء, أشعر بالشر, ألا يريد أحد منكم أن يحضن تلك الفكرة التي تئن بصوت خافت في داخلي, بشكل واقعي؟ أقصد توجعني.





0 التعليقات:
إرسال تعليق
تتم مراقبة جميع التعليقات قبل نشرها للحفاظ على النظام. الموافقة على نشر تعليق معيّن لا تعني الموافقة على محتواه. جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).