الخميس، 4 أكتوبر 2012

ماذا أفعل في هذا العالم.

- 1 -

تعبت من إيذاء الآخرين. ماذا أفعل إذن؟ ماذا أفعل في هذا العالم إلى الآن؟ أتجنب اليأس بقدر المستطاع. اليأس أشد إيلاماً للذات من خيانات الأصدقاء. لا أرغب بالإستسلام, لا أرغب برؤية بنديقتي في يد الأعداء, إنني أحاول, إنني أحاول أن لا أموت وأنا في منتصف الطريق, إنني أحاول أن أعيش بجدية. أتجنب اليأس, أتأمل القذارات المتكومة أسفل أظافري, أشدُّ من أزري, أضع يدي على كتفي وأربت على نفسي مثلما فراشة يلاحقها صياد . ماذا أفعل في هذا العالم؟ إنني أسخر من مهزلة وجودي. أستيقظ مبكراً, أفتح حنفية الماء بقدمي وأعد المتبقي من أسناني. في الحقيقة: أنا خائف, خائف من أن أنام ولا أستيقظ قبل أن أمزق ما كان على الدوام يمزقني, وأدمر ما كان طيلة حياتي يدمرني. خائف من أفلاطونية الأشياء كما أنني في نفس الوقت خائف من توافة الأشياء. خائف من أن أدلق الشاي على الضيوف. خائف من الثقب الذي في الباب. خائف من الصمغ الذي وضعته أمي خلف الثلاجة. خائف من الصدأ الذي بدأ ينهش في عظام قضبان الغرفة. خائف من أبناء هذه الأرض. خائف من أحصنة ذبيحة تتشكل صورها في السماء على هيئة غيمة سوداء تطاردني من المنزل وحتى وصولي إلى مكتبي. خائف حد أنني أشعر بالإسمنت ينهار كلما رفعت أقدامي لأخذ خطوة أخرى. هل أنا من تسببت بكارثة جدة؟ لأنني أعتقد بأن اثبات النفي يكون بنفي النفي لا بنفي الإثبات, لذلك سأقول الحقيقة: كانت آخر زيارة قمت بها لجدة وأنا عمري لم يتعدى السبع سنوات. قمنا بها نحنُ برفقة بيت عمي عبدالرزاق, عمي الذي تربيت في منزله: مات منذ أكثر من عام ولا زلت أبحث عن قبره. لا أتذكر عنها شيء, أعني مدينة جدة: لا أذكر الطرقات, لا أذكر الأضواء, لا أذكر الروائح, لا أذكر تصميم المنازل, لا أذكر حتى الناس. أذكر: أنا خائف من كوني لا أخاف. كي أثبت لك ذلك أحتاج إلى اثبات خوفي من الخوف كي أقدر بعدها على خوف خوفي واثبات عدم مخافتي من الأشياء. قد يخطر ببالك الآن الجحيم أو بأنني فيلسوف سخيف. تقول: كيف لا يخاف هذا الصعلوك؟ ماذا عن النار؟ ماذا عن عقاب الله؟ ماذا عن أسماك القرش؟ ماذا عن بلطجية النظام؟ ماذا عن السلفيين؟ ماذا عن الكهرباء؟ والسكاكين الحادة والمحاريث السنينة والأسلحة المنتشرة في كل مكان والإستحمام ثم الخروج ومواجهة المكيف وحوادث السيارات والجمال الشاردة والزلازل والحروب والمجاعات والفقر واسرائيل وقوى الإستعمار وزيت المقلى الحار وسقوط الطائرة المحتمل والإرهاب والفشل واليتم والسجن والأمراض الأمراض الأمراض! ماذا أفعل في هذا العالم إلى الآن؟ أنا فأس في يد حطاب أعمى, لا أستطيع إصابه هدفي إلا بعد عدة محاولات. الحياة: واحدة وشخص ما أعمى يمسك بفأس ثقيل ويحاول أن يصيب كتفي وهو يضحك. لا أعرف هذا الشخص, لا أخافه. إنني أخاف من عدم معرفة ما لا أعرفه أكثر من خوفي من الأشخاص الذين لا يعرفون. ذكرت إحدى الإحصائيات أن المواطن العربي يقرأ ثلاث صفحات في العام بينما المواطن الأجنبي يقرأ خمسة كتب على الأقل, كل عام. ماذا أفعل في هذا العالم؟ أبحث عن قبر عمي الذي توفى منذ أكثر من عام وعن بداية المفاهيم وماهية الأمور التي تشكل وعي الإنسان, كلما هممت بحلق لحيتي. اليوم هو الجمعة, الموافق 13 يوليو, حلقت لحيتي. نعم, وأنا أحلق لحيتي للمرة العاشرة على التوالي بذات شيفرة الحلاقة لاحظت عدد لا بأس به من الجروح التي كان يمكنني أن أتفادى وقوعها في وجهي ولاحظت شيء آخر. لاحظت بأن من لا يقرأ يتحدث بلغة / منطق نخبوي تماماً كالذي يقرأ ويتحدث بلغة ومنطق نخبوي أيضاً حيث صار من لا يملك وعي النخبوي يعبر عن أفكاره بطريقة نخبوية ولأن من يملك وعي نخبوي من الطبيعي أن يعبر عن أفكاره بطريقة نخبوية أصبح الحوار الدائر بين اللا واعي لنخبويته ومتمسك بعاميته وبساطته وبين النخبوي الواعي والتارك بساطته وعاميته في المنزل حوار بيزنطي وسخيف. لاحظت بأن المشكلة لا تكمن في من هو لا يقرأ كما هي واقعة على الذي يقرأ ويتحدث بلغة نخبوية وغير مفهومة مع الذي لا يقرأ ولا ينتبه بأنه يتحدث بلغة نخبوية لا تناسب وعيه البسيط المعتاد بحكم الظروف أولاً على الدخول في حوارات بسيطة ومفهومة وغير معقدة. المشكلة أيضاً تكمن في عدم تفريقنا بين القاريء النخبوي الذي يكتب بطريقة بسيطة وبين القاريء النخبوي الذي يكتب بطريقة أشد نخبوية من مؤسس أول طبقة نخبوية في العالم الحديث والقديم ومن ثمّ يشتكي هذا القاريء النخبوي من جهل العامة. الكتب التي في حوزتك لا تساوي شيء طالما لم تجعلك قادر على إيصال أفكارك لمن هو لا يقرأ. المكان الذي أرتاده منذ فترة ليست بالقليلة هو عبارة عن قهوة شعبية, مرتع لكبار السن الذينّ بينهم وبين الموت مسافة تقل عن المسافة التي تفصل بين الأنف وبين الشفاه. وجدت في هذه القهوة مختلف الطبقات والنخب والشرائح المجتمعية: المتعادية والمتصالحة. وجدت فيها: بائع خضروات, بيني وبينه ثأر صعيدي. فيها من يأتي لتذكرينا بوجود الله ويتأكد من تديننا, فيها أيضاً من يأتي لبيع الملابس الداخلية, فيها من يبيع الخواتم والصور القديمة, فيها من يأتي كل يوم ليبيع عليّ أنواع مختلفة من السنافر بعد أن زل لساني وأخبرته بمحبتي للسنافر: إنهُ يستغل ضعفي بطريقة حقيرة,هذا العجوز الفاني! فيها أيضاً من يأتي ويفتح جريدته ولا يقرأ بل يكتفي بالتنصت على أحاديث البقية ممثلاً ببراعة الثقافة النخبوية, الكثير و الكثير. لا أحاول فرض ثقافتي على أحد, بالأخص على هؤلاء. إنني أستمع لهم كعبيط. بعضهم يكذب, يخربط, يهربد, يشطح حين يجدني متساهل معه لهذه الدرجة من الإهتمام بالتفاهات التي يحكيها. أحدهم على سبيل المثال, أخبر ثلاثة غيري بأن روسيا لم تستخدم الفيتو هذا إلا مرة واحدة: لأجل سوريا. كان هذا الرجل يحرضنا على كره روسيا باستخدامه هذه الطريقة الخبيثة, كان يتحدث وكأن فلادمير لينين صديق والده منذ أيام الطفولة بينما في الواقع ومنذ عام 1946 وحتى 2008 تم استخدام هذا الفيتو اللعين في أكثر من 261 مناسبة, كان لروسيا 124 فيتو من ذلك العدد. هل ألومه؟ هل ألوم هذا الرجل لأنه كذب أم ألوم الثلاثة الذين لم يتاكدوا من صدق أقواله وأرقامه؟ لن ألومه ولن أصدق أقواله. الجهل ليس عيب لكن المدافعة عن الجهل: حرام. طبقات. العالم: طبقات. بداخل كل طبقة مجتمعية: شرائح وأنا الآن متعب كشريحة مرتديلا باردة ولا يسعني التعمق في الطبقات أو الشرائح التي أتعامل معها يومياً. سأذهب لأنام لأنني لا أعرف ماذا أفعل في هذا العالم, حتى الآن.

 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تتم مراقبة جميع التعليقات قبل نشرها للحفاظ على النظام. الموافقة على نشر تعليق معيّن لا تعني الموافقة على محتواه. جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More