الخميس، 4 أكتوبر 2012

زجاجة حليب فارغة.

قبل قليل, قبل ساعة تقريباً, وبعد النظرة الحادة التي رمقني بها أحدهم بينما كان هو في سيارته وكنت أنا في سيارتي ونحن نقترب من نقطة التفتيش المزروعة عباطة وبلا أدنى هدف, قررت أن أرفع صوت الموسيقى وعدم الإكتراث به أو جعل هذا الموقف البسيط يؤثر على معنوياتي أو على مزاجي ويومي برمته على الرغم من أنني متعب وعصبي وقد أتشاجر مع مجتمع بأسره إذا تطلب الوضع لكنني لن أفعل ذلك احتراماً للقوارب الصغيرة التي يرمقها قبطان السفينة العملاقة بحدة أيضاً ولن أقوم بفعل شيء آخر غير ما كتبته وشتمه في داخلي مجازاً لا أكثر. كان الشارع غير مزدحم, صحراء, محطة, صحراء, صحراء, صحراء, تفتيش, محطة. من الأفضل للحكومة أن تقوم بفعل شيء بخصوص هذه الكمية الهائلة من الرمال وإلا سوف أعصب عليها بحدة كما عصبت على ذلك الرجل الذي كان قد رمقني بنظرة حادة وأنا أقود سيارتي. إنّ ذوي المخيلات الواسعة لا يملكون مشكلة حقيقية مع طريق كهذا, قاحل وغير مرتب. أرغب بمعالجة الموضوع بأقل الخسائر خوفاً على ذوي المخيلات المقموعة. اليوم هو السبت, كان من المفترض أن أستيقظ الساعة الرابعة وثلاث دقائق فجراً كي لا أتأخر عن موعد العمل الأصلي لكنني استيقظت بعد هذا الوقت حتماً. نهظت من على السرير كفيل يحتقر ذاته, تعثرت ببعض الكتب لم يكن القرآن الكريم بينهم, رفستهم أو بين قوسين ” رفسوني ” , أخفيت الوجع, توجهت صوب الحمام, ارتطمت في الباب هذه المرة, لم أشعر بوجع لكنني شعرت بمرارة التقدم في السن, دخلت, بحلقت في المرآة, لم أقل لنفسي كما قال أدريانو إلى نفسه حين عرف بأن ذلك الصباح هو صباحه الأخير: ” روحي أيتها الصغيرة, متشردة وهشة, نزيلة بدني ورفيقته, إلى أين ستذهبين الان؟ إلى أي أماكن شاحبة,قاسية,قاحلة,ستذهبين؟ لن تروي بعد الآن مزيداً من النكات! ” بل قلت للولد الواقف أمامي في المرآة: لا تنتظر شخص لا ينتظرك, لا تنتظر شيء لا يريدك, لا تنتظر أحد حولك إلى لا أحد, لا تمت قبل أن تكون نداً كما كان غسان يردد ثمّ قلت: أوليييييه! كان المشهد مؤثر, والحوار الذي كان بيني وبين الولد الواقف أمامي في المرآة حوار عميق ومخبول. صعدت ليّ أمي, هذه هي المرة الأولى التي تصعد فيها أمي إلى غرفتي في هذا الوقت المبكر, لم أقبلها ولم أنحني وأركع تحت أقدامها كي أبين لها احترامي وحبي لها, بصراحة فعلت ما فعلت كي تتكرم عليّ وتسد فاهي ببعض النقود فالراتب لا زال في مرحلة الحيض. ارتديت ملابسي على عجل, سحبت المفاتيح, علبة السجائر, المحفظة, قارورة الماء, الآي باد, نظارتي وخرجت. رجعت بعد أقل من دقيقة, فرحت أمي, كانت تعتقد بأنني رجعت كي أقبلها وأنحني وأركع تحت قدميها للمرة الثانية على التوالي, لكنني وبصراحة أكثر كنت بحاجة إلى مبلغ أكبر فهذا الراتب كما يبدو عقيم وعاهر. أنا أسكن مقابل البحر أو كما تسمي الحكومة الأشياء التي تفضل سرقتها: كورنيش. لمحت علبة حليب فارغة تطفو على سطحه, فكرت في القفز لإنقاذ حياة هذا العلبة الفارغة, تروق ليّ فكرة انقاذ الأشياء التي تفقد قيمتها على أيدي البشر. هو ذات الشعور الذي يراودني حين ألمح صوري القديمة وأنا فيها طفل. كم أحتقر هذا العالم. لن أنسى أبداً احتقار ذاتي معه. حين وصلت مقر عملي, سلمت على من هم أقل ثقافة ووسامة مني مؤخراً, أكثر انسانية وبساطة مني على الدوام. دخلت الغرفة, جلست على الكرسي بشكل ودي. الأحداث التي توالت كثيرة وأنا لست شخص يسترزق من الكتابة لذلك لن أذكرها. سأذكر بأنني ولحسن الحظ لم أعض لساني اليوم, لم أصلح بين حبيبين كانا يتجنابا إنجاب الأبناء بالعطس بعد ممارسة الحب كما كانوا يفعلون قديماً في روما. لم أحرق ثيابي كنيرون أو كما أمرت الكنيسة الكاثوليكية بإحراق كتب سافو, المرأة التي ألقت بنفسها إلى الهاوية لأن بحاراً لم يعرها اهتماماً. لم أخبر أحد بأن عمر الخيام كان يفضل الخمارة على المسجد وبأنه كان يشعر بالشفقة على الله لأنه لا يستطيع أن يثمل. لم أطلع البي سي مانجِر المسيحي على الوصف الذي قاله عماد الدين, صديق صلاح الدين عن الثلاثمئة غانية اللاواتي رافقن ريتشارد قلب الأسد في حملته الصليبية لتسلية جنوده. ولم أتفلسف على دينيش وهو يعد كوب الشاي حليب وأخبره بأن السكر الذي يضعه ليّ الآن: كان يباع في أوروبا بالغرام في الصيدليات. فهو قطعاً لن يهتم بمعرفة قصة تأسيس السكر بمقدار اهتمامه في أن يحوز هذا الكوب على رضى حضرة جنابي. لم أتحدث عن الجنس ولا عن دماء ضحايا الثوار في سوريا, السودان أو عن دماء الطمث لكنني حاولت البحث عن ما كتبه ابن سينا في كتابه ” القانون ” كما يذكر إدواردو, حيث يصف ابن سينا نشوة الأنثى منذ تبدأ عيناها بالاحمرار, أنفاسها بالتسارع, وتبدأ بالتلعثم. ابن سينا: أيها العبقري الصايع, اختشي! وأنا في طريق العودة, وقبل أن يرمقني ذلك الرجل بنظراته الحادة, أدرت الراديو على محطة آرامكو. الأغاني العربية هذه الأيام إما هابطة وغير زنقبية أو مزعجة في غالبها , كنت أحبذ الإستماع إلى صوت ضئيل وهادئ. صوت يخبرني: هذه الحياة ليست سهلة لكنك لم تصاب بالغرغرينة حتى الآن على الأقل. الصوت كان: جيمس بلونت. الأغنية كانت: أنتِ جميلة. جيمس بلونت وقبل أن يصبح مغني, كان جندي في الجيش البريطاني وأحد الذين تم اختيارهم للذهاب في مهمة لحفظ السلام بكوسوفو. أغلب أغانيه تحوم حول ذلك الجندي الذي رأى الموت مُذ كان طين, ورأى الطين وهو يتحول إلى إنسان. انتهت الحرب, انتهت الأغنية, لكن ليس هكذا تتقلص الذكريات. هذه الأغنية تذكرني بأحداث جميلة ودالة على الحب والسعادة والغباء والإحراج. لن أغوص في هكذا نوع من التذكر, إلا أنني لن ولم أعرف أزقة مدينة سان فرانسسيكو جيداً والسبب هذه الأغنية بدون شك. أغمضت عيني, رحتُ أعوم بعيداً, لعلي كدت سأبكي لو أنني انصعت خلف مشاعري, لعلي كنت سأبكي لو لم أدر وجهي نحو الشمال ولمحت ذلك الكلب الذي يقود سيارته وهو يرمقني بنظراته البدوية الحادة, تلك التي تشبه باطن الخشب الممتلئ بالمسامير والتهديد. كانت هذه الأغنية هي آخر شيء أتذكره من يوم السبت هذا: أرغب بالعودة إلى الحياة والتظاهر بأنني ميت, يكفي هذا الموت الذي أتظاهر فيه بالحياة. عانقت آلة صنع القهوة ثم خرجت بعد وقت قصير من المنزل.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تتم مراقبة جميع التعليقات قبل نشرها للحفاظ على النظام. الموافقة على نشر تعليق معيّن لا تعني الموافقة على محتواه. جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More